تشهد سوق الشغل في المغرب مفارقة واضحة: ففي الوقت الذي تُسجّل فيه المدن تحسنًا تدريجيًا في مؤشرات التشغيل، تغرق المناطق الريفية في أزمة متفاقمة تهدد تماسك النموذج التنموي الوطني.
ووفقًا لآخر بيانات المندوبية السامية للتخطيط، فقد الريف المغربي خلال الربع الثاني من سنة 2025 ما يقارب 107 آلاف منصب شغل، في حين استقبلت المناطق الحضرية 113 ألف وظيفة جديدة. ويُعزى هذا التراجع أساسًا إلى الجفاف المستمر الذي يضرب الزراعة – العمود الفقري للاقتصاد الريفي – وإلى ضعف النسيج الإنتاجي البديل القادر على امتصاص الصدمات.
أزمة اجتماعية صامتة
يكشف التقرير ذاته عن تراجع معدل التشغيل في القرى من 44.8% إلى 43.5% في ظرف عام واحد، كما انخفض معدل مشاركة اليد العاملة الريفية بـ 1.6 نقطة، وهو ما يعكس حالة الإحباط المتزايد لدى السكان، خاصة النساء اللواتي تراجع معدل مشاركتهن من 21.6% إلى 18.8%.
ورغم أن معدل البطالة المعلن في القرى (6.2%) يظل أدنى بكثير من نظيره الحضري (16.4%)، إلا أن هذا الرقم يُخفي خروج آلاف النشطين من سوق العمل. فقد بلغ عدد العمال الذين يعانون من نقص التشغيل أكثر من 512 ألف شخص، ما يبرز عدم التوافق بين التكوين وفرص العمل وضعف الأجور.
النداء الملكي: إنهاء “المغرب بسرعتين”
جاءت هذه الأرقام في لحظة سياسية حساسة، بعد خطاب جلالة الملك محمد السادس يوم 30 يوليوز 2025 بمناسبة عيد العرش، حيث شدد على ضرورة وضع حد لـ “نظام المغرب المزدوج”، في إشارة إلى التفاوت الصارخ بين المدن المزدهرة والقرى المهمشة.
وأكد جلالته أن التنمية الحقيقية لا يمكن أن تتحقق إلا عبر تحقيق عدالة ترابية واجتماعية تضمن ولوج جميع المواطنين إلى فرص الشغل والتعليم والصحة والبنيات التحتية، سواء في المدن الكبرى أو في القرى النائية.
مشاريع مؤجلة وعجز في الاستثمار
ورغم ما تحقق من إنجازات في فك العزلة عبر بناء أكثر من 20 ألف كيلومتر من الطرق القروية منذ سنة 2000، إلا أن ذلك لم ينعكس على خلق دينامية اقتصادية قوية بالريف. فغياب المناطق الصناعية القروية، ضعف البنوك المحلية، غياب الحاضنات الزراعية الحديثة، واستمرار هجرة الكفاءات الشابة، كلها عوامل تُعمّق العزلة الاقتصادية.
ويؤكد خبراء اقتصاديون أن الأزمة لم تعد ظرفية بل هي هيكلية، وأن الحل يكمن في إطلاق صدمة استثمارية بالمناطق القروية، عبر مشاريع فلاحية وصناعية مهيكلة، ومراكز للتكوين المهني، وتشجيع الابتكار المحلي، انسجامًا مع توجهات النموذج التنموي الجديد.
نحو استراتيجية جديدة
في خضم هذه التحولات، يبدو أن المغرب أمام خيار حاسم: إما الاستمرار في نموذج تنموي قائم على المدن الكبرى وحدها، أو تبني استراتيجية متوازنة تُعيد للقرى دورها الحيوي في الاقتصاد الوطني.
وكما شدد الملك محمد السادس في خطابه الأخير: “لن يبلغ المغرب تنمية مستدامة ما لم تُعبّأ كل جهاته بروح الإنصاف والتضامن الوطني”.
Source : https://www.microtv.ma/?p=51065














