تحليل مفصل لخطاب صاحب الجلالة الملك محمد السادس في افتتاح الدورة التشريعية لمجلس النواب أمس الجمعة 09 أكتوبر 2026 بالرباط

تحليل مفصل لخطاب صاحب الجلالة الملك محمد السادس في افتتاح الدورة التشريعية لمجلس النواب أمس الجمعة 09 أكتوبر 2026 بالرباط
  • بتاريخ : أكتوبر 10, 2026 - 12:09 م
  • المصطفى قصاب

     

    في ظرفية سياسية استثنائية، يطبعها تشكيل حكومة جديدة بقيادة فاطمة الزهراء المنصوري بعد انتخابات 23 شتنبر، واقتراب موعد كأس العالم 2030، وتسارع التحولات الجيو-اقتصادية العالمية، ألقى صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، أمس الجمعة 09 أكتوبر 2026، خطابا تاريخيا في افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة (2026-2031).

    خطاب لم يكن بروتوكوليا، بل كان خارطة طريق جديدة للدولة، ورسالة مباشرة للحكومة المقبلة، وللقطاع الخاص، وللشباب، وللعالم.

    نقدم لكم تحليلا مفصلا في 7 محاور.

    المحور الأول: السياق والرمزية – لماذا هذا الخطاب مختلف؟

    هذا أول خطاب يلقيه الملك أمام برلمان جديد يضم 395 نائبا، بعد انتخابات وصفتها وزارة الداخلية بالأكثر شفافية.

    الملك بدأ خطابه بعبارة قوية، استعاد فيها مقولة 2014 الشهيرة: إن أغلى إحساس عندي في حياتي، هو اعتزازي بمغربيتي، وقال: هو نفس الإحساس اليوم، ولا تزيده السنوات إلا قوة ورسوخا.

    الدلالة: الملك يريد أن يربط المرحلة الجديدة بالاستمرارية والثوابت: الملكية العريقة، إمارة المؤمنين، الهوية الحضارية المتعددة. لكنه أضاف جملة حاسمة: الاعتزاز بالوطن ليس من أجل التباهي، بل هو الحافز الذي يحول الانتماء إلى مسؤولية.

    بمعنى: كفى من الشعارات، حان وقت العمل. هذه رسالة واضحة للبرلمانيين الذين دعاهم في خطابات سابقة إلى مزيد من الاجتهاد والفعالية

    وقال جلالته: “تأتي هذه الولاية في ظرفية استثنائية، حافلة بالفرص، التي قد لا تتكرر. وهو يقصد: كأس العالم 2030، اتفاقيات التبادل الحر الجديدة، موقع المغرب كقوة صاعدة وموثوقة، والاستثمارات الضخمة في الهيدروجين الأخضر والسيارات الكهربائية.

    المحور الثاني: الجوهر الاقتصادي – إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى

    هذا هو قلب الخطاب. الملك قال:

    في سياق عالمي يتسم بتسارع التحولات الجيو-اقتصادية، انخرطت بلادنا، برؤية واضحة، في دينامية جديدة من الإصلاحات والمشاريع الكبرى. واليوم، إضافة إلى تسريع المشاريع المبرمجة في البنيات التحتية، يتعين إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى، لاسيما في مجالات الأمن المائي والطاقي والغذائي، والإقلاع الصناعي، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي.

    التحليل:

    الملك ينتقل من منطق تدبير الأزمات إلى منطق بناء السيادة.

    1. الأمن المائي: لم يعد الحديث عن أزمة عطش ظرفية، بل عن أمن مائي مستدام. وهذا يعني: تسريع محطات تحلية مياه البحر (الدار البيضاء، آسفي، الداخلة)، وربط الأحواض المائية، وفرض ترشيد حقيقي على الفلاحة التي تستهلك 80% من الماء.

    2. الأمن الطاقي والغذائي: دعا إلى تطوير قدرات المملكة في مجال الاحتياطات الاستراتيجية، وتأمين توريد المواد الأساسية. هذه رسالة مباشرة بعد أزمة كورونا وحرب أوكرانيا التي كشفت هشاشة سلاسل التوريد. المغرب يجب أن يكون لديه مخزون استراتيجي من القمح والطاقة والأدوية لا يقل عن 6 أشهر.

    3. الإقلاع الصناعي والرقمي والذكاء الاصطناعي: هذه هي المرة الأولى التي يذكر فيها الملك الذكاء الاصطناعي في خطاب افتتاح البرلمان كأولوية استراتيجية. الرسالة: المغرب لا يريد أن يكون مستهلكا للتكنولوجيا، بل منتجا لها. وهذا مرتبط بمشروع “Digital Morocco 2030”.

    المحور الثالث: الرسالة القوية للقطاع الخاص – انتهى زمن الريع

    في فقرة حاسمة، قال الملك:

    نهيب بالقطاع الخاص الوطني، للارتقاء إلى فاعل استراتيجي، في التحول التنموي ببلادنا، وأن يكون أكثر مبادرة وابتكارا، وأكثر قدرة على خلق فرص الشغل، وعلى الاستثمار والتصدير.

    التحليل: هذه ليست مجاملة، بل هي عتاب ملكي.

    الملك يقول للباطرونا: لقد استفدتم من الدعم، من الإعفاءات، من ميثاق الاستثمار الجديد، لكنكم لا تخلقون فرص شغل كافية، ولا تستثمرون بما يكفي، ولا تصدرون. نسبة كبيرة من القطاع الخاص لا تزال تعيش على الريع والصفقات العمومية والعقار.

    الملك يريد قطاعا خاصا يخلق قيمة مضافة، يصدر للخارج، ويشغل الشباب، وليس قطاعا ينتظر الدولة لتعطيه.

    وهي رسالة أيضا لحكومة المنصوري: لا تعتمدوا فقط على الاستثمار الأجنبي، بل أجبروا الرأسمال الوطني على تحمل مسؤوليته.

    المحور الرابع: الشباب في قلب الرؤية الملكية – رسالة لجيل Z

    قال الملك:

    وضع قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية، واهتمامات هيئات الحكامة، من خلال وضع تصور متكامل، يضمن تكافؤ الفرص، ويشمل التعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي، لبناء مستقبل أفضل، في ظل الحرية والكرامة والاستقرار.

    التحليل: هذا المحور مرتبط مباشرة بحراك جيل Z الذي شهدته مدن الرباط والدار البيضاء في شتنبر 2026، حيث خرج آلاف الشباب يطالبون بالتعليم والصحة والشغل.

    الملك استبق أي توتر، وقال إن الحل ليس أمنيا، بل هو تصور متكامل يضمن:

    – تكافؤ الفرص: نهاية الزبونية في المباريات والتوظيف.

    – التعليم والتأهيل: إصلاح حقيقي للمدرسة العمومية وليس ترقيعا.

    – الإدماج الاقتصادي: شغل لائق، وليس عقود “أنابيك” ب 2500 درهم.

    وقال: تعزيز الثقة في قدرتهم على الارتقاء الاجتماعي وفي مؤسسات وطنهم. وهي جملة عميقة: الشباب اليوم لا يثق في المؤسسات، ويعتبر أن الارتقاء الاجتماعي أصبح مستحيلا بدون “باك صاحبي”. الملك يطالب الحكومة بإعادة الأمل.

    المحور الخامس: الجهوية المتقدمة واللاتمركز – نهاية عهد الرباط

    قال الملك:

    إن الرهان الحقيقي للمرحلة المقبلة، هو العمل الميداني، على المستوى الترابي، بالوقوف على المشاكل الحقيقية لكل منطقة. النهوض بالتنمية المندمجة يرتبط بمسار الجهوية المتقدمة وتفعيل اللاتمركز الإداري. التأخير والاختلالات التي تعرقل تنزيل اللامركزية تنعكس سلبا على برامج التنمية.

    التحليل: هذا نقد مباشر للإدارة المركزية في الرباط.

    بعد 10 سنوات من دستور 2011، لا تزال الجهات بدون صلاحيات حقيقية، ولا تزال القرارات تأتي من الرباط. مواطن في المضيق أو في زاكورة يجب أن ينتظر شهورا لتوقيع من وزارة في الرباط.

    الملك يطالب بنقل فعلي للصلاحيات والموارد المالية والبشرية للجهات، حتى تصبح قادرة على حل مشاكل المواطنين ميدانيا. وهذا مرتبط مباشرة بالجيل الجديد من برامج التنمية الترابية الذي أمر الحكومة بإعداده، في إطار علاقة رابح-رابح بين المجالات الحضرية والقروية.

    المحور السادس: الرسالة الدبلوماسية – الشراكة ليست ابتزازا

    في فقرة قوية نقلتها بوابة الشرق الأوسط، قال الملك:

    الشراكة مع المغرب لن تكون أبدا محل ضغط أو تهديد أو ابتزاز”.

    التحليل: هذه رسالة موجهة لثلاث جهات:

    1. لإسبانيا وفرنسا: المغرب شريك استراتيجي، وليس حارس حدود. لا يمكن أن تطلبوا من المغرب وقف الهجرة، وأنتم تضغطون عليه في ملف الصحراء أو الصيد البحري.

    2. للاتحاد الأوروبي: بعد قرار محكمة العدل الأوروبية حول اتفاقية الصيد، المغرب يقول: نحن نحترم الشراكة، لكن باحترام متبادل وسيادة كاملة على صحرائنا.

    3. للعالم: المغرب قوة صاعدة وموثوقة، يختار شركاءه بعناية، ولا يقبل الإملاءات.

    المحور السابع: ماذا ينتظر من حكومة المنصوري والبرلمان؟

    الخطاب رسم 5 اختبارات لحكومة المنصوري التي سيتم تنصيبها الأسبوع المقبل:

    1. اختبار الماء والغذاء: هل ستسرع بناء محطات التحلية وضمان الأمن الغذائي؟

    2. اختبار التشغيل: هل سيكون خلق فرص الشغل هو المعيار الوحيد لنجاح أي سياسة؟ “التشغيل هو المعيار”.

    3. اختبار الشباب: هل ستقدم الحكومة تصورا متكاملا لجيل Z قبل نهاية 2026؟

    4. اختبار الجهوية: هل ستتجرأ الحكومة على نقل الصلاحيات فعلا للجهات، وإنهاء عهد المركزية البطيئة؟

    5. اختبار النجاعة: قال الملك: ننتظر وتيرة أسرع وأثرا أقوى من الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية، وتغييرا ملموسا في العقليات وترسيخا لثقافة النتائج. بمعنى: انتهى زمن التقارير والخطط، نريد نتائج يشعر بها المواطن في حياته اليومية.

    خطاب التأسيس لمرحلة ما بعد 2026

    خطاب أمس لم يكن خطاب افتتاح عادي، بل كان خطاب تأسيس لمغرب 2030.

    مغرب يريد أن يكون قوة اقتصادية صاعدة، بسيادة مائية وطاقية وغذائية، ورقمية، مع قطاع خاص وطني يتحمل مسؤوليته، وشباب يثق في مؤسساته، وجهات قوية تحكم نفسها، وشراكات دولية قائمة على الاحترام وليس الابتزاز.

    الملك قال: إننا ننتظر أن تشكل الولاية التشريعية والحكومية الجديدة، منعطفا حقيقيا. كلمة منعطف تعني أن ما قبل 2026 ليس كما بعده.

    الكرة الآن في ملعب فاطمة الزهراء المنصوري وأغلبيتها (البام، الاستقلال، التقدم والاشتراكية، والاتحاد الاشتراكي)، وفي ملعب المعارضة الجديدة (البيجيدي والأحرار والحركة الشعبية)، التي يجب أن تمارس معارضة بناءة كما دعا الملك إلى مزيد من الاجتهاد والفعالية.

    هل ستنجح الحكومة الجديدة في تحويل هذا الخطاب التاريخي إلى قوانين مالية وبرامج حكومية ملموسة؟ أم سيبقى حبرا على ورق كما حدث مع خطابات سابقة؟

    الجواب سيبدأ من قانون المالية 2027 الذي سيعرض على البرلمان بعد 10 أيام.