بقلم: حسن العسري
في خضم إحدى الحملات الانتخابية، وقع أمامي مشهد بسيط في ظاهره، لكنه ظل عالقاً في ذاكرتي إلى اليوم.
كان طفلاً في حدود التاسعة من عمره.
أعطاه أحد المناضلين منشوراً انتخابياً، وطلب منه أن يوصله إلى والديه.
أمسك الطفل الورقة، نظر إليها، ثم قال بكل براءة:
«ماذا سأفعل بهذه الورقة؟ أنا أريد أن أعيش.»
توقفت الكلمات في حلقي.
طفل في التاسعة لم يرَ في الورقة برنامجاً، ولا شعاراً، ولا وعداً انتخابياً.
رأى فيها شيئاً لا يستطيع أن يطعمه، ولا أن يسكنه، ولا أن يوفر له مستقبلاً.
كان يريد شيئاً أبسط من كل الخطابات:
كان يريد أن يعيش.
مرت اللحظة ، لكن تلك الجملة لم تمر.
كلما اقترب موعد الانتخابات، وكلما عادت صور المرشحين والمنشورات والوعود إلى الشوارع، أتذكر ذلك الطفل.
وأتساءل:
ماذا تغير في حياة أمثاله؟
جهة الشرق… أسئلة لا يجوز دفنها تحت الشعارات
من وجدة إلى تاوريرت، ومن جرادة إلى فكيك، ومن بركان إلى الناظور، ومن المدن إلى القرى والدواوير والمناطق البعيدة، هناك مواطنون لهم أسئلة وانتظارات ومطالب مشروعة.
هناك من يبحث عن عمل.
وهناك من يصارع غلاء المعيشة.
وهناك أسر ما زالت تواجه صعوبات في الولوج إلى بعض الخدمات الأساسية.
وهناك قرى ودواوير تحتاج إلى مزيد من البنيات والخدمات.
وهناك شباب يمتلكون الطموح والكفاءة، لكنهم يشعرون أن الطريق أمامهم ليس سهلاً.
وهناك أطفال يجب أن يكون سؤال مستقبلهم أكبر من سؤال الانتخابات نفسها.
هذه ليست صورة سوداء لكل شيء، ولا إنكاراً لما تحقق من مشاريع وبرامج.
لكن التنمية الحقيقية لا تقاس فقط بما أُنجز، بل أيضاً بما لم يُنجز بعد، وبمن لا يزال ينتظر.
كم مرة يجب أن نسمع المواطن حتى نتحرك؟
المواطن لا يطلب المستحيل.
عندما يطالب بالماء، فهو لا يطلب امتيازاً.
عندما يطالب بالسكن اللائق، فهو لا يطلب رفاهية.
عندما يبحث عن العمل، فهو لا يطلب صدقة.
وعندما يريد طريقاً ومدرسة ومركزاً صحياً وخدمة إدارية محترمة، فهو لا يطلب معروفاً.
إنه يطالب بأن تكون التنمية حاضرة في حياته.
وهنا يجب أن نسأل بصراحة:
إذا كانت بعض هذه المطالب ما زالت مطروحة بعد سنوات طويلة من البرامج والسياسات، فأين يكمن الخلل؟
هل المشكلة في التخطيط؟
أم في التنفيذ؟
أم في ضعف التتبع؟
أم في غياب التنسيق؟
أم في ترتيب الأولويات؟
أم في عدم وصول ثمار التنمية بالقدر الكافي إلى المناطق الأكثر حاجة؟
هذه الأسئلة ليست عداءً لأحد.
بل هي جوهر المسؤولية السياسية.
لا تجعلوا المواطن مجرد «صوت»
أخطر شيء في السياسة هو أن يتحول الإنسان من مواطن له كرامة وحقوق إلى مجرد صوت يُبحث عنه في موسم الانتخابات.
قبل الانتخابات، تُفتح الأبواب.
تكثر اللقاءات.
تكثر الزيارات.
تكثر الوعود.
وتصبح معاناة المواطن حاضرة في كل خطاب.
لكن السؤال الحقيقي يبدأ بعد الانتخابات:
من يعود إلى المواطن؟
من يتابع ملفه؟
من يسأله ماذا تحقق؟
من يحاسبه على الوعود التي قُطعت؟
ومن يشرح له لماذا تعذر تنفيذ بعضها؟
السياسة المسؤولة ليست أن تقول للمواطن ما يريد سماعه.
السياسة المسؤولة أن تقول له الحقيقة، حتى عندما تكون الحقيقة صعبة.
طفل واحد… وآلاف الأسئلة
ربما كان ذلك الطفل واحداً فقط.
لكن كلمته جعلتني أفكر في أطفال كثيرين لا نسمع أصواتهم.
أطفال يعيشون في أسر محدودة الدخل.
أطفال يرون آباءهم يبحثون عن فرصة عمل.
أطفال يسمعون الحديث عن الغلاء قبل أن يفهموا معنى الاقتصاد.
أطفال قد يكبرون وهم يسألون:
لماذا نحن هنا؟ ولماذا هناك من يملك كل شيء ونحن لا نملك حتى أبسط الأشياء؟
وهنا تصبح محاربة الفقر والجهل والهشاشة ليست مجرد عناوين في البرامج.
إنها معركة من أجل مستقبل الإنسان المغربي.
كفى من صناعة الأمل بالورق
نحن لا نحتاج إلى أوراق أكثر.
نحتاج إلى أفعال أكثر.
لا نحتاج إلى شعارات أكبر.
نحتاج إلى نتائج أكبر.
لا نحتاج إلى وعود جديدة كلما اقترب موعد الاقتراع.
نحتاج إلى مسؤول يأتي بعد سنوات ويسأل:
ماذا أنجزنا؟ وماذا لم ننجز؟ ولماذا؟
هذه هي السياسة التي تعيد الثقة.
أما أن نكرر الكلام نفسه، وننتظر من المواطن أن ينسى ما قيل بالأمس، فذلك لن يحل المشكلة.
«هل أنتم بشر أم حجر؟»
عندما ترى أسرة تعاني، وتسمع شاباً يقول إنه فقد الأمل في العمل، وتسمع امرأة تتحدث عن حاجتها إلى خدمة أساسية، وترى طفلاً يقول:
«أنا أريد أن أعيش»
فلا يمكن أن تبقى مجرد متفرج.
السؤال ليس موجهاً إلى الحكومة وحدها، ولا إلى حزب وحده، ولا إلى مسؤول واحد.
إنه سؤال إلى ضمير كل من يملك مسؤولية أو سلطة أو قدرة على التأثير:
هل تسمعون فعلاً؟
وإذا كنتم تسمعون، فماذا تفعلون؟
وإذا كانت لديكم الإمكانيات، فلماذا لا تصل إلى من يحتاجها؟
وإذا كانت هناك عراقيل، لماذا لا تشرحونها للمواطن بكل وضوح؟
المواطن ليس ساذجاً.
وقد لا يعرف كل تفاصيل الإدارة والميزانيات والسياسات العمومية، لكنه يعرف شيئاً واحداً جيداً:
هل تغيرت حياته أم لا.
التغيير ليس شعاراً
اليوم، ونحن أمام استحقاقات جديدة، يجب أن نخرج من منطق:
«صوتوا لنا لأننا سنغير.»
إلى منطق آخر:
«هذا ما سنفعله، وهذه أولوياتنا، وهذه الوسائل التي نملكها، وهذه حدود مسؤوليتنا، وهذا ما يمكن للمواطن أن يحاسبنا عليه.»
هكذا تُبنى الثقة.
وهكذا تصبح السياسة مسؤولية وليست امتيازاً.
وهكذا يصبح المنتخب خادماً للصالح العام، لا مجرد صاحب مقعد.
إلى ذلك الطفل الذي لم أنسَه
ربما لا يعرف ذلك الطفل أن جملته بقيت في ذاكرة من سمعها.
وربما أصبح اليوم شاباً.
وربما لا يزال يعيش في الظروف نفسها، أو ربما تغيرت حياته.
لكنني أتمنى أن يكون قد وجد ما كان يبحث عنه يومها:
أن يعيش بكرامة.
وأتمنى أن لا يحتاج أي طفل مغربي في المستقبل إلى أن يسأل:
«ماذا سأفعل بورقة؟»
بل أن يحمل كتاباً، ويدخل مدرسة جيدة، ويحلم بوظيفة، ويعيش في بيت لائق، ويثق في وطنه ومستقبله.
لأن الانتخابات ليست غاية في حد ذاتها.
والسياسة ليست مقاعد.
والتنمية ليست أرقاماً.
الإنسان هو الغاية.
وفي النهاية، تبقى تلك الجملة الصغيرة أكبر من كثير من الخطب:
«ماذا سأفعل بهذه الورقة؟… أنا أريد أن أعيش.»
فهل سنكتفي هذه المرة أيضاً بتوزيع الأوراق؟
أم سنبدأ أخيراً في صناعة واقع يستحق أن يصدقه المواطن؟





إرسال تعليق