اشتوكة آيت باها.. متأخرات المقاولات تفتح ملف احترام التوجيهات الملكية ومساطر الصفقات العمومية

  • الكاتب : محمد شداد
  • بتاريخ : سبتمبر 29, 2026 - 5:31 م
  • الزيارات : 4
  • تعود إلى الواجهة بإقليم اشتوكة آيت باها قضية تأخر أداء مستحقات عدد من المقاولات التي أنجزت مشاريع لفائدة الدولة، في سياق تطرح فيه ملفات متفرقة أسئلة حول آجال الأداء، وتسلم المشاريع، وتدبير الصفقات العمومية، ومدى احترام الإدارة لالتزاماتها التعاقدية تجاه المقاولات. وتكتسب هذه القضية حساسية خاصة بالنظر إلى أن موضوع أداء مستحقات المقاولات حظي بتوجيه ملكي صريح. ففي خطاب 20 غشت 2018، دعا جلالة الملك محمد السادس نصره الله الإدارات العمومية إلى أداء ما بذمتها من مستحقات تجاه المقاولات، محذراً من أن التأخر قد يؤدي إلى إفلاسها وفقدان مناصب الشغل. ولم يبق هذا التوجيه في مستوى الخطاب فقط، إذ وضعت وزارة الاقتصاد والمالية آليات خاصة بآجال الأداء، من بينها مرصد آجال الأداء وبوابة لشكايات الموردين، وأكدت الوزارة أن هذه البوابة أُطلقت تفعيلاً للتوجيهات الملكية بهدف تحديد أسباب التأخر في الأداء ومعالجة شكايات الموردين.

    كما يتوفر المغرب على إطار قانوني وتنظيمي خاص بآجال الأداء وفوائد التأخير في الطلبات العمومية، فيما عزز القانون رقم 69.21 منظومة آجال الأداء وآليات تتبعها. وتبرز في هذا السياق واقعة مشروع بناء وتجهيز داخلية الثانوية التأهيلية المرينيين بمركز جماعة إيمي مقورن، وهي قضية تقول المعطيات والوثائق المتوفرة بشأنها إنها تحولت من مجرد إشكال مرتبط بتنفيذ صفقة عمومية إلى نزاع حول وضعية الورش والولوج إليه وحيازة مرافقه. وبحسب المعطيات التي توصلت بها الجريدة، فقد شهد الورش عملية ولوج مفاجئة، قالت المقاولة إنها تمت تحت إشراف السلطة المحلية، وتخللتها عملية كسر لأقفال الأبواب الخارجية والداخلية والولوج إلى مرافق مختلفة، من بينها المطبخ وقاعات الأكل وغرف النوم، في غياب إذن مسبق من الشركة، وفق ما تدعيه الأخيرة. وتتحدث إفادات حراس ومسؤولي المقاولة عن الاستعانة بأشخاص لفتح الأقفال وإخراج الحارس من الموقع، فضلاً عن منع ممثلي الشركة وأطرها التقنية من الولوج إلى الورش لمعاينة وضعية التجهيزات والمواد والأدوات الموجودة بداخله. ولم تكتف المقاولة، بحسب الوثائق التي تم الاطلاع عليها، بتسجيل هذه الوقائع في مراسلات إدارية، بل لجأت إلى مفوض قضائي لإجراء معاينات ميدانية وتوثيق الوضعية بالصور. وتظهر إحدى الوثائق التي تم الاطلاع عليها محضر معاينة مؤرخاً في 3 أكتوبر 2025، أنجزه مفوض قضائي لدى محكمة الاستئناف بأكادير، ويتضمن معاينات ميدانية مرتبطة بالمشروع وبحضور عناصر وأشخاص في محيط المؤسسة. غير أن هذه الوثيقة، من الناحية القانونية، تثبت المعاينات التي قام بها المفوض القضائي، ولا تحسم وحدها في المسؤولية القانونية عن الوقائع أو في النزاع المالي بين الأطراف، وهي نقطة تظل من اختصاص الجهات القضائية والإدارية المختصة. والمقاولة تقول إن محضر التسلم، سواء المؤقت أو النهائي بحسب المرحلة المعنية، لم يكن قد وقع عند وقوع التطورات المذكورة، كما أنها لم تتوصل بكامل مستحقاتها المالية المرتبطة بالمشروع. وهنا تبرز أهمية التحقق من وثائق الصفقة ودفتر التحملات، لأن التسلم ليس مجرد إجراء شكلي؛ بل تترتب عليه آثار إدارية ومالية وقانونية تتعلق بوضعية الأشغال وحيازة المنشأة والمسؤولية عنها. وإذا ثبت، بناء على الوثائق التعاقدية، أن شروط التسلم لم تكن قد استوفيت وأن مستحقات المقاولة ظلت عالقة، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحاً: على أي أساس انتقلت حيازة واستغلال مرافق المشروع قبل استكمال الإجراءات التعاقدية والإدارية المنصوص عليها؟ وهو سؤال يستوجب، بطبيعة الحال، جواب مصالح العمالة والجهات صاحبة المشروع، إلى جانب جواب المقاولة، قبل استخلاص أي مسؤولية. وقضية داخلية المرينيين لا تبدو، وفق المعطيات التي توصلت بها الجريدة، منفصلة عن حديث أوسع داخل أوساط المقاولين بالإقليم حول مستحقات ظلت عالقة لمدد طويلة. وتتحدث مصادر من القطاع عن ملفات تعود إلى الفترة التي كان فيها العامل السابق جمال خلوق يشرف على عمالة اشتوكة آيت باها، وتقول إن عدداً من المقاولات ظلت تنتظر تسوية مستحقاتها. غير أن تحديد المسؤوليات في هذه الملفات لا يمكن أن يتم بمجرد ربطها زمنياً بفترة مسؤول إداري معين، بل يتطلب فحص كل صفقة على حدة، وتحديد الجهة التي كانت تتولى مراحل الالتزام والتصفية والتأشير والأداء، وتاريخ استحقاق المبالغ، وما إذا كانت هناك اعتراضات أو اختلالات أو وثائق ناقصة حالت دون صرفها. لكن إذا كانت هناك فعلاً مبالغ مستحقة ومثبتة لمقاولات أنجزت التزاماتها وظلت دون أداء لفترات طويلة، فإن الأمر يتجاوز حالة إدارية عادية، خصوصاً إذا ترتبت عنه أضرار اقتصادية حقيقية. وبحسب إفادات توصلت بها الجريدة، فإن بعض المقاولات المتضررة تتحدث عن آثار مالية ثقيلة جراء تأخر مستحقاتها، وصلت، في بعض الحالات، إلى توقف النشاط أو الإفلاس. وهذه النقطة بالذات تستحضر التحذير الملكي الصريح لسنة 2018، الذي ربط تأخر الإدارة في أداء مستحقات المقاولات باحتمال إفلاسها وفقدان مناصب الشغل. فالمقاولة لا تنتظر أموالاً هامشية؛ إنها مطالبة، في الوقت نفسه، بأداء أجور العمال والضرائب والاشتراكات والتزاماتها تجاه الموردين والبنوك، بينما قد تظل مستحقاتها لدى الإدارة مجمدة إلى أجل غير معلوم. وفي إحدى الحالات التي تطرح نفسها في هذا الملف، يتعلق الأمر بمقاول راكم أكثر من عقدين من التجربة في إنجاز مشاريع ومنشآت لفائدة الدولة، وتقول المعطيات المتوفرة إنه سبق أن أنجز عدة مشاريع عمومية، من بينها منشآت تم تدشين بعضها من طرف جلالة الملك محمد السادس. ويقول هذا المقاول إن مساره المهني الطويل لم يجعله يصطدم بمشاكل مماثلة في تحصيل مستحقاته إلا في ارتباطه بملفات مع مصالح عمالة اشتوكة آيت باها. والأخطر، وفق إفادته، أن الأزمة المالية الناجمة عن تأخر المستحقات انعكست على وضعه الشخصي، ووصلت تداعياتها، بحسب روايته، إلى معاناته من مضاعفات صحية.

    وأمام استمرار الخلاف، اختار المقاول اللجوء إلى القضاء، وهو حق يكفله القانون. غير أن اللجوء إلى القضاء لا يعني بالضرورة الوصول الفوري إلى المستحقات. فالملفات التي تتطلب خبرات أو مناقشة وثائق الصفقة أو مراحل التنفيذ والتسلم أو الطعون والتنفيذ قد تمر عبر مراحل متعددة. وهنا يجد المقاول نفسه أمام معادلة صعبة: مستحقات مالية متأخرة من جهة، والتزامات مالية مستمرة من جهة أخرى، ومسار قضائي قد يستغرق وقتاً طويلاً من جهة ثالثة. وبالنسبة لمقاولة صغيرة أو متوسطة، فإن مرور السنوات لا يكون محايداً؛ فتكلفة التمويل والديون والضرائب والأجور والمصاريف التشغيلية تستمر، بينما يبقى المبلغ المتنازع بشأنه خارج خزينة المقاولة.

    ولا تقف التساؤلات المطروحة عند حدود الأداء فقط. فالمعطيات التي توصلت بها الجريدة تتحدث أيضاً عن مطالب بفتح تحقيق إداري حول طريقة تدبير بعض الصفقات داخل العمالة، خصوصاً ما يروج بشأن تدخلات تقنية في تفاصيل بعض المشاريع وإسناد أشغال ثانوية، من قبيل الكهرباء والترصيص والصباغة، لمقاولات بعينها. وهذه الادعاءات لا يمكن اعتبارها حقائق ثابتة ما لم تؤكدها وثائق أو تحقيقات رسمية. لكن مجرد طرحها من طرف متعاملين مع القطاع يجعل من الضروري، إن كانت هناك شكايات أو قرائن موثقة، أن تخضع للفحص من طرف الجهات المختصة، لأن شفافية الصفقات العمومية وتكافؤ الفرص بين المقاولات عنصران أساسيان في حماية المال العام وتحسين مناخ الاستثمار. وفي ظل تداول هذه المعطيات، تبرز مسؤولية الإدارة الحالية في فتح الملفات القديمة والتحقق منها بدل تركها تتراكم. فالحديث عن متأخرات تعود إلى مرحلة سابقة، إذا ثبت بالوثائق، لا ينبغي أن يتحول إلى إرث إداري مغلق، بل يفترض جرد الملفات، وتحديد وضعية كل صفقة، ومعرفة ما إذا كانت الأشغال قد أنجزت، وهل تم التسلم، وهل أصبحت المستحقات واجبة الأداء، وما هي أسباب عدم تسويتها. كما أن للمصالح المعنية كامل الحق في تقديم توضيحاتها والرد على ما يرد في هذا الملف من ادعاءات، بما في ذلك تفسير ظروف الولوج إلى ورش داخلية المرينيين، والأساس القانوني والإداري للإجراءات المتخذة، ووضعية الصفقة والمستحقات المالية المرتبطة بها. المفارقة التي تستحق الوقوف عندها هي أن الدولة قطعت أشواطاً في إرساء منظومة لتتبع آجال الأداء. فوزارة الاقتصاد والمالية تؤكد أن مرصد آجال الأداء يعمل على متابعة هذا الملف، كما أن المنظومة القانونية تتضمن مقتضيات خاصة بآجال الأداء وفوائد التأخير. بل إن المعطيات الرسمية المنشورة حديثاً تظهر استمرار تتبع آجال الأداء ونشر معطيات دورية بشأنها. لكن نجاح هذه المنظومة لا يقاس فقط بالأرقام الوطنية، وإنما أيضاً بما يحدث في الملفات اليومية للمقاولات التي تتعامل مع الإدارات والمشاريع العمومية. وفي اشتوكة آيت باها، يطرح هذا الملف أسئلة تستحق أجوبة واضحة: كم تبلغ قيمة المستحقات العالقة لفائدة المقاولات؟ ما عدد الملفات التي تعود إلى السنوات السابقة؟ كم منها استوفى جميع شروط الأداء؟ لماذا لم تتم تسوية هذه الملفات في آجالها؟ وهل ترتب عن التأخير إفلاس مقاولات أو فقدان مناصب شغل؟ ثم، في ملف داخلية المرينيين تحديداً: من يملك قانوناً صلاحية وضع اليد على المنشأة قبل استكمال مسطرة التسلم؟ ما الوضعية الدقيقة للصفقة؟ وما مصير مستحقات المقاولة؟ أسئلة لا تحتاج إلى سجال سياسي، وإنما إلى وثائق، وأرقام، ومحاضر، وتوضيحات رسمية. فالمقاولة التي تنجز مشروعاً للدولة لا تطلب امتيازاً عندما تطالب بمستحقاتها، وإنما تطالب بتطبيق التزامات تعاقدية يفترض أن تكون الإدارة، مثلها مثل المقاول، حريصة على احترامها. وهذا هو جوهر الرسالة التي حملها الخطاب الملكي لسنة 2018: أداء مستحقات المقاولات ليس مجرد إجراء محاسبي، بل مسألة مرتبطة باستمرارية المقاولة وحماية مناصب الشغل.

    وفي انتظار أن تكشف الوثائق الرسمية حقيقة الملفات العالقة بإقليم اشتوكة آيت باها، يبقى السؤال الأكبر مطروحاً: هل وصلت التوجيهات الملكية بشأن حماية المقاولة وآجال الأداء إلى آخر حلقة في السلسلة الإدارية، أم أن بعض المقاولات ما زالت تدفع ثمن التأخر في تسوية مستحقاتها؟