في المغرب، أدى تدجين الأحزاب السياسية إلى نقل مسرح المعارضة والاحتجاج؛ ففي الماضي، كان القمع يستهدف المناضلين الحزبيين المنخرطين وأجهزتهم الصحفية التي كانت تتحرك مكشوفة القناع وتتحمل مسؤولية ألوانها الأيديولوجية. أما اليوم، فإنه ينقض على الصحفيين القلائل الذين لا يدينون بالولاء لغير الخبر والمعلومة. لقد اختفت الصحافة الحزبية المناضلة تقريباً، وفي فضاء عام تعرض للاختراق والإغلاق، يظل نقل الخبر وتحليله ونقده، حتى وإن شابته المبالغة، ووفقاً لأخلاقيات المهنة المعمول بها في الديمقراطيات، بمثابة فعل مقاومة.
إن الصحفي الذي يرفض أن يكون مجرد حامل قلم يجد نفسه وحيداً، لا يملك من سلاح سوى حريته في التعبير. وهنا تكمن قوته، ولكن أيضاً هشاشته؛ فالدفاع عن الحق في الكلمة الحرة في بلد كبلدنا قد ينتهي بالمرء مدفوعاً إلى تقمص دور ليس دوره بالأساس. وهذا بالضبط ما حدث مع علي المرابط، الذي لا تعد حالته للأسف حالة معزولة.
فهو صحفي أولاً وقبل كل شيء، ولم يطالب يوماً بنضال آخر غير النضال من أجل حرية التعبير. لكنه، وبفعل استمرار تعسف السلطة وضغوطها، وجد نفسه مجبراً، وعلى مضض، على ارتداء ثوب المناضل المناهض للسلطة، في حين أنه ليس سوى صحفي يرفض الصمت. وهكذا تحولت حريته في التفكير، وهي عملة نادرة وثمينة في وسط لا يبحث فيه المرء إلا عن نيل الرضا، إلى موقف يهدف إلى الإزعاج وإثارة القلق. إنه مفارقة قاسية: فبينما يريد أن يظل مجرد صحفي بسيط، يحوله القمع إلى “مناضل سياسي”؛ مناضل رغماً عنه، ينهال عليه خصومه ــ المناضلون هم أيضاً لكن من أجل الوضع القائم ــ بشتى التهم والخطايا دون تقديم أي دليل. هو يحارب من أجل الحق في الجرأة والوقاحة الصحفية الشجاعة، وهم يستميتون في رفض الشك وعدم التسامح معه. وهنا تحديداً يكمن مكمن الداء، إذ كيف يمكن الحديث عن حرية التعبير عندما تهيمن رواية واحدة وتتسيد المشهد لتخنق كل فضاءات النقاش؟
ودون ريب، ليس بالضرورة أن يشاطر المرء كل تحليلاته، لكن لا يسعه إلا أن يقف إجلالاً وتكريماً لما يشكل مصدر قوته: ارتباطه العضوي والعميق بحرية القول، كشرط لا يقبل المساومة لممارسة مهنة الصحافة. بيد أن الاضطرار لدفع هذا الثمن الباهظ من أجل ممارسة هذه المهنة يختزل بوضوح الوضع البائس والمنكوب الذي آل إليه فضاؤنا العام.
وفي واقع الأمر، فإن حالته ليست سوى المرآة العاكسة لعجز جماعي عن التكيف مع متطلبات حرية الصحافة، بما في ذلك تجاوزاتها وانزلاقاتها. إن السؤال الحقيقي المطروح اليوم ليس معرفة ما إذا كان الرجل راديكالياً أكثر من اللزوم، بل يكمن في فهم السبب الذي يجعل الكلمة الحرة في المغرب مجبرة على التحول إلى معارضة سياسية لكي تضمن لنفسها حق الوجود. وهذا الاستنتاج، في حقيقة الأمر، لا يدعو أبداً للفخر، لأن التباهي بحرية النبرة والجرأة لم يكن يوماً دليلاً قاطعاً على حصافة الرأي وصوابية الحكم، لكننا وصلنا إلى هذا الحد!
لقد حسم علي المرابط اختياره: الوفاء لقيم مهنته بدلاً من الخنوع لنظام لا يطيق إلا الأقلام المداهنة والمطواعة. وربما يعلن التزامه الشخصي هذا، من بين السطور، عن الحاجة الملحة لإعادة بناء فضاء عام يمكن فيه للمعلومة والنقد ــ حتى وإن كان مفرطاً ــ أن يتحركا ويتجليا أخيراً دون أن يتم خلطهما بشكل منهجي بالتمرد والعصيان.
مقالة بقلم: علي بوعبيد
16/07/26
المصدر : https://www.microtv.ma/?p=59102













