رجل التربية الذي تحول إلى رمز داخل واحدة من أشهر ثانويات الدار البيضاء
اعداد مصطفى جناح
كلما عاد الحديث عن ثانوية جمال الدين المهياوي بالدار البيضاء، عاد معه اسم الراحل محمد اشنيبر، الرجل الذي لا يزال حضوره طاغياً في ذاكرة آلاف التلاميذ والأساتذة والأطر التربوية، رغم مرور سنوات طويلة على رحيله.
فبالنسبة لعدد كبير من قدماء المؤسسة، لم يكن اشنيبر مجرد مدير ثانوية، بل كان مدرسة قائمة بذاتها، ورمزاً من رموز التربية والتعليم العمومي خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، في زمن كانت فيه المؤسسة التعليمية فضاءً لصناعة النخب وتكوين الشخصيات.
ومع تداول صور قديمة للراحل عبر مواقع التواصل الاجتماعي، انفجرت موجة واسعة من الحنين والاعتراف، حيث تقاطرت شهادات مؤثرة تستحضر هيبة الرجل، وأناقته، وحضوره القوي، وعلاقته المميزة بالتلاميذ والأساتذة.ثانوية صنعت نخباً من مختلف أحياء الدار البيضاء
تقع ثانوية جمال الدين المهياوي التأهيلية التابعة للمديرية الإقليمية الفداء مرس السلطان، في موقع استراتيجي قريب من أحياء الفرح والأمل ودرب الكبير، وكانت خلال سنوات السبعينات والثمانينات قبلة لتلاميذ قادمين من عدة مناطق شعبية وعريقة بالدار البيضاء، من بينها سباتة وابن امسيك وسيدي عثمان والحي المحمدي ودرب السلطان.
وقد تخرج من المؤسسة على امتداد عقود عدد من الأسماء البارزة التي بصمت مسارات مهمة في مجالات القضاء والمحاماة والأمن والثقافة والفكر والفن والتربية، ما جعل المؤسسة تُصنف ضمن أهم الثانويات التي ساهمت في صناعة النخب بالعاصمة الاقتصادية.
بداية الحكاية.. من ثانوية الجاحظ إلى المؤسسة الحالية
عدد من الشهادات أكدت أن الراحل محمد اشنيبر رافق بدايات تأسيس المؤسسة منذ نهاية الستينات، حين كانت بعض الأقسام تابعة لثانوية الجاحظ، قبل الانتقال إلى البناية الحالية خلال الموسم الدراسي 1970/1971.ويحكي أحد قدماء التلاميذ أن المؤسسة كانت تضم في بداياتها ستة أقسام فقط، غير أن شخصية المدير الراحل وصرامته التنظيمية جعلا المؤسسة تفرض اسمها بسرعة داخل المشهد التعليمي البيضاوي.
ويؤكد آخرون أن الراحل كان أول مدير دشن الثانوية بشكلها الحالي، واضعاً أسساً تربوية وتنظيمية صارمة ظلت راسخة لسنوات طويلة.
“البرنس”.. هيبة رجل وأناقة مدير استثنائي
ارتبط اسم الراحل محمد اشنيبر بصورة لا تزال محفورة في ذاكرة كل من عاش تلك المرحلة؛ رجل أنيق يرتدي “السلهام” المغربي، يحمل غليونه الشهير “La Pipe”، ويتجول بخطوات هادئة أمام الإدارة وبين الأقسام.ويستعيد عدد من التلاميذ والأساتذة تلك الجولات اليومية التي كان يقوم بها داخل المؤسسة، مؤكدين أن حضوره وحده كان كافياً لفرض النظام والانضباط.
أحدهم وصفه قائلاً:
“كان البرنس الحقيقي للمؤسسة… قليل الكلام، لكن الجميع كان يهابه ويحترمه”.
فيما استحضر آخرون رائحة تبغ “Amsterdam” المنبعثة من غليونه الشهير، والتي أصبحت جزءاً من صورة الرجل داخل المؤسسة.
كما بقيت سيارته البرتقالية من نوع “Citroën 2CV” حاضرة في ذاكرة كثيرين، باعتبارها من التفاصيل التي ارتبطت بشخصيته الفريدة.
كاريزما تربوية وهيبة صنعتا جيلاً كاملاً
لم يكن الراحل يعتمد فقط على الصرامة الإدارية، بل كان يمتلك كاريزما تربوية استثنائية جعلته قريباً من التلاميذ رغم الهيبة الكبيرة التي كان يتمتع بها.
وتؤكد شهادات متطابقة أن المدير الراحل كان يولي أهمية كبيرة لأنشطة الحياة المدرسية، حيث كان يشجع التلاميذ على الانخراط في الأنشطة الثقافية والفنية والمسرحية والتربوية، إيماناً منه بأن المدرسة ليست مجرد فضاء للدراسة فقط، بل فضاء لصناعة الشخصية المتكاملة.كما عُرف بشغفه بالتدريس، إذ كان يتدخل أحياناً لتعويض بعض الأساتذة المتغيبين، مقدماً للتلاميذ حصصاً خاصة تتحول إلى رحلات ممتعة داخل عوالم الرواية والقصة والأدب، وهو ما جعل الكثير من التلاميذ يرتبطون بالقراءة والثقافة بفضله.
ويؤكد عدد من قدماء المؤسسة أن تلك الحصص الاستثنائية ظلت راسخة في ذاكرتهم لعقود طويلة.
طاقم إداري وتربوي متميز صنع إشعاع المؤسسة
لم يكن الراحل محمد اشنيبر يشتغل وحده، بل أحاط نفسه بطاقم إداري وتربوي وُصف آنذاك بالاستثنائي، ضم أسماء بارزة من بينها بومهراز ونوارة والصالحي والهنداجي وغيرهم.
كما كانت المؤسسة تعج بأساتذة متميزين تركوا بصمتهم لدى أجيال متعاقبة، من بينهم غزيل والصونتي والأشهل وامقران والعقاد ونعينيعة ولبيب والحضري وكريم، إضافة إلى حضور عدد من الأساتذة الفرنسيين والرومانيين الذين كانوا يشتغلون بالمؤسسة خلال تلك المرحلة.
ويؤكد عدد من الشهادات أن الأساتذة الأجانب كانوا يكنون احتراماً كبيراً للراحل اشنيبر، بالنظر إلى شخصيته القوية وقدرته على تدبير المؤسسة بحزم واحترام في الآن نفسه.مدير لا ينسى.. وذكريات لا تموت
من بين الشهادات المؤثرة، حديث أحد الأساتذة الذي التحق بالمؤسسة سنة 1976، حيث أكد أن أول من استقبله كان الراحل محمد اشنيبر إلى جانب مقتصد المؤسسة بوشعيب النقري، مضيفاً أن التوجيهات التي تلقاها منهما ساعدته كثيراً في مساره المهني.
كما استعاد البعض تفاصيل طريفة من حياة المدير الراحل، من بينها تربيته للأبقار داخل المؤسسة وتركها ترعى خلال العطل والأيام غير الدراسية، في صورة تعكس علاقته الخاصة بالمكان وحضوره اليومي داخله.
رحيل رجل من زمن المدرسة الجميلة
وخلفت وفاة الراحل محمد اشنيبر خلال فترة جائحة كوفيد حزناً واسعاً داخل الأوساط التربوية وبين قدماء التلاميذ، خاصة أن عدداً منهم كان يستعد لتنظيم حفل تكريمي له قبل أن يخطفه المرض.
وأكد مقربون أن الراحل قضى أيامه الأخيرة بالمستشفى إلى جانب زوجته، قبل أن يرحل تاركاً وراءه إرثاً تربوياً وإنسانياً كبيراً، وذكريات لا تزال حية في قلوب كل من عرفه أو تتلمذ داخل المؤسسة التي ارتبط اسمه بها لعقود.
اسم خالد في ذاكرة المدرسة العمومية المغربية
ورغم مرور السنوات، لا يزال اسم محمد اشنيبر يُذكر بكل تقدير واحترام داخل الدار البيضاء، باعتباره نموذجاً للمدير الذي جمع بين الهيبة والإنسانية والانضباط والثقافة الواسعة.
لقد كان واحداً من رجال المدرسة العمومية المغربية في زمنها الذهبي، زمن كانت فيه المؤسسة التعليمية تصنع النخب، وكان فيه المدير مربياً وقائداً وصاحب رسالة قبل أي شيء آخر.
رحم الله الفقيد محمد اشنيبر وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما قدمه للأجيال المتعاقبة في ميزان حسناته.
المصدر : https://www.microtv.ma/?p=58881














