- اعداد مصطفى جناح
حين كان للمدرسة هيبة.. وللمدير شخصية تصنع الرجال
في زمن كانت فيه المدرسة العمومية فضاءً حقيقياً للتربية قبل التعليم، وقلعة لصناعة الأجيال لا مجرد مؤسسة لعبور السنوات الدراسية، برز اسم الحاج محمد أبو هلال، المدير السابق لثانوية الحسن الثاني بسباتة بمدينة الدار البيضاء، كواحد من أبرز رجالات التربية الذين تركوا أثراً عميقاً في ذاكرة آلاف التلاميذ والأطر التعليمية، حتى بعد مرور عقود على مغادرته منصبه.
اسم “كنيبة”، الذي ظل عالقا في أذهان تلامذته ومرتبطا بشخصيته الصارمة وحضوره القوي داخل المؤسسة، لم يكن مجرد لقب عابر، بل أصبح رمزا تربويا يحمل بين طياته ذكريات جيل كامل عاش مرحلة تعتبر من أجمل فترات المدرسة العمومية المغربية. 
واليوم، وبعد سنوات طويلة من التقاعد، لا يزال أبناء ثانوية الحسن الثاني يستحضرون الرجل بكل حب ووفاء، من خلال شهادات مؤثرة اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي، عكست حجم الاحترام والتقدير الذي يحظى به هذا الرجل الاستثنائي.
مدير لم يكن يكتفي بالتسيير.. بل كان يصنع جيلاً كاملاً
كل الشهادات التي تحدثت عن محمد أبو هلال تكاد تتفق على نقطة واحدة: الرجل لم يكن مجرد مدير إداري يجلس داخل المكتب، بل كان مربياً حقيقياً يتابع كل صغيرة وكبيرة داخل المؤسسة.
كان حاضراً في الساحة، في الممرات، في الأقسام، في الأنشطة الرياضية، وحتى في تفاصيل المظهر والانضباط اليومي للتلاميذ.

يتذكره كثيرون وهو يحرص على احترام التوقيت بدقة، ويرفض التأخر أو الفوضى داخل المؤسسة، ويشدد على الهندام والنظافة والالتزام، في وقت كانت فيه المدرسة تربي قبل أن تلقن الدروس.
أحد التلاميذ القدامى كتب:
“كبرنا وفهمنا أن قسوته كانت حباً لنا، كان يريد أن نصبح أشخاصاً ناجحين وذوي قيمة في المجتمع”.
بينما أكدت شهادات أخرى أن صرامته لم تكن تعني القسوة، بل كانت تخفي قلباً إنسانياً كبيراً، إذ لم يتردد يوماً في مساعدة التلاميذ المحتاجين أو الوقوف إلى جانبهم في لحظات الضعف.
“أنت كنيبا جاي معطل”.. جملة تحولت إلى ذاكرة جماعية

من بين المواقف الطريفة التي لا تزال راسخة في ذاكرة أبناء الثانوية، تلك العبارات الشهيرة التي كان يرددها الأستاذ أبو هلال بطريقته الخاصة، والتي تحولت مع مرور الزمن إلى جزء من التراث الشفهي لأبناء سباتة.
كثيرون استعادوا جملته الشهيرة:
“أنت كنيبا جاي معطل”،
وهي العبارة التي التصق بسببها به لقب “كنيبة”، ليصبح فيما بعد اسماً متداولاً بين التلاميذ والأساتذة وحتى أبناء الحي.

ورغم الطابع الصارم لتلك المرحلة، إلا أن التلاميذ اليوم يتحدثون عنها بحنين كبير، معتبرين أن تلك الصرامة ساهمت في بناء شخصياتهم وتعليمهم معنى الالتزام والمسؤولية.
رجل آمن بالرياضة والثقافة والدين داخل المؤسسة

لم يكن اهتمام محمد أبو هلال مقتصراً على الدراسة فقط، بل كان يؤمن بأن المؤسسة التعليمية فضاء متكامل لبناء الإنسان.
فقد اهتم بالرياضة المدرسية بشكل كبير، وكان يتابع المباريات الرياضية بنفسه، خصوصاً كرة اليد وكرة السلة، ويشجع التلاميذ على المشاركة والتفوق.
كما تتحدث شهادات عديدة عن دوره في إنشاء مكتبة داخل المؤسسة، وتجهيز الساحة بمكبرات صوتية لتنظيم الحياة المدرسية، إضافة إلى مساهمته في بناء مسجد داخل الثانوية لإقامة الصلاة، وهي خطوات كانت متقدمة جداً في تلك المرحلة.

أحد المعلقين كتب:
“كان يريد مدرسة نظيفة، منظمة، محترمة، فيها العلم والأخلاق والصلاة والانضباط”.
ثانوية الحسن الثاني.. مصنع للأطر والكفاءات في عهده

العديد من خريجي المؤسسة يؤكدون أن ثانوية الحسن الثاني عرفت خلال فترة إدارة محمد أبو هلال واحدة من أقوى مراحلها، حيث حققت نسب نجاح مرتفعة، وخرجت أجيالاً أصبحت اليوم أطباء ومهندسين وقضاة ومحامين وأطر دولة ورجال أمن ومسؤولين في قطاعات مختلفة.
ويعتبر عدد من أبناء تلك المرحلة أن سر نجاح المؤسسة كان مرتبطاً بالأجواء التربوية الصارمة والمنظمة التي كان يفرضها المدير الراحل عن الإدارة، والحاضر بقوة في ذاكرة الجميع.
بل إن بعض الأساتذة الذين اشتغلوا معه وصفوه بـ”العملة النادرة”، مؤكدين أن خصاله كانت تجمع بين الذكاء، سرعة البديهة، التدين، الثقافة، النزاهة، والقدرة على القيادة التربوية.
شهادات مؤثرة تكشف الجانب الإنساني للرجل
ورغم مرور السنين، ما تزال القصص الإنسانية المرتبطة بمحمد أبو هلال حاضرة بقوة.
أحد التلاميذ روى أنه جاء إلى الثانوية بشعر طويل، فطلب منه المدير حلقه، وحين أخبره أنه لا يملك المال، أخذه بنفسه إلى الحلاق وتكفل بالمصاريف.
وتلميذة أخرى تتذكر كيف استدعاها إلى الإدارة بسبب لباسها، لكنها اكتشفت لاحقاً أن الرجل كان يخاف على التلاميذ كأب حقيقي، وليس فقط كمسؤول إداري.
أما آخرون، فاعتبروا أن مجرد الدراسة في عهد “كنيبة” كانت مدرسة للحياة، تعلموا فيها معنى الانضباط والاحترام والاجتهاد.

كل هذه الشهادات جعلت كثيرين يطالبون بضرورة تكريم وطني يليق بمسار الحاج محمد أبو هلال، وعرض تجربته كنموذج تربوي للأجيال الجديدة، في وقت تعيش فيه المدرسة المغربية تحديات كبيرة على مستوى القيم والانضباط.
فالرجل، بالنسبة للكثيرين، لم يكن مجرد مدير ثانوية، بل كان مؤسسة قائمة بذاتها، ورمزاً من رموز التربية الحقيقية التي صنعت رجالاً ونساءً خدموا الوطن في مختلف المجالات.
ويبقى أجمل ما يمكن أن يقال عن “كنيبة”، هو أن سنوات طويلة مرت على مغادرته المؤسسة، لكن اسمه ما يزال حياً في قلوب تلامذته، وكأن الزمن توقف عند تلك المرحلة الجميلة التي كان فيها للمدرسة طعم آخر.
المصدر : https://www.microtv.ma/?p=58970














