اعداد مصطفى جناح
يُعدّ عمرو محمد الطنطاوي واحداً من أعظم عازفي آلة العود في المغرب والعالم العربي، ومن الأسماء التي بصمت تاريخ الموسيقى المغربية الحديثة بمداد من الإبداع والالتزام، حيث جمع بين التميز الفني والأخلاق الرفيعة، ليصبح مرجعاً موسيقياً لا يمكن تجاوزه في مسار الأغنية الوطنية.
وُلد الراحل سنة 1929 بمدينة برشيد، في بيئة محافظة، قبل أن ينتقل إلى الدار البيضاء حيث بدأت رحلته مع الفن مبكراً، إذ تلقى تكوينه الأول على يد المعلم أحمد زنيبر، الذي اكتشف موهبته ووجّهه نحو آلة العود، لتكون بوابته نحو عالم الإبداع.
🎼 مسار مبكر وتكوين متنوع
التحق الطنطاوي بالجوق الجهوي لإذاعة الدار البيضاء سنة 1942، قبل أن يخوض تجربة مميزة خارج أرض الوطن، حيث سافر إلى باريس سنة 1953 في أعقاب أحداث أحداث 20 غشت 1953، واحتك هناك بعدد من الفنانين، من بينهم محمد فويتح ووردة الجزائرية، كما اشتغل بأوبرا الجزائر وشارك في مبادرات فنية إنسانية، من بينها سهرة لدعم ضحايا زلزال الأصنام سنة 1954.
عاد بعد ذلك إلى المغرب ليواصل مسيرته، قبل أن يلتحق سنة 1959 بـ الجوق الوطني للإذاعة والتلفزة، حيث سطع نجمه كعازف بارع على آلتي العود و”الفيولونسيل” (التشيلو)، ما أكسبه أسلوباً فريداً جمع بين التقنية الغربية والروح الشرقية.
🎻 عمود الجوق الوطني في العصر الذهبي
لم يكن الطنطاوي مجرد عازف ضمن الجوق، بل كان أحد أعمدته الأساسية ومهندسي مرحلته الذهبية، حيث ساهم في توثيق وضبط عدد كبير من الروائع الخالدة في ريبرتوار الأغنية المغربية، بفضل دقته الموسيقية وقدرته على بلورة الجمل اللحنية.
كما اشتغل إلى جانب كبار الملحنين، وعلى رأسهم عبد السلام عامر، الذي كان يعتمد عليه بشكل كبير في تحويل ألحانه إلى أعمال مكتملة، حتى وُصف الطنطاوي بـ”العين التي يرى بها عامر ألحانه”. ومن أبرز الأعمال التي ساهم في إخراجها:
“القمر الأحمر” بصوت عبد الهادي بلخياط
“قصة الأشواق” و“راحلة” بصوت محمد الحياني
🌟 ريادة موسيقية وإشعاع عربي
يُصنّف الطنطاوي ضمن الجيل المؤسس للموسيقى المغربية العصرية، إلى جانب أسماء بارزة مثل أحمد البيضاوي وعبد النبي الجراري وعبد القادر الراشدي وصالح الشرقي، حيث ساهموا مجتمعين في وضع اللبنات الأولى للأغنية المغربية الحديثة.
كما حظي بإشادة كبار الفنانين العرب، من بينهم أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ، الذين أثنوا على موهبته الاستثنائية وأسلوبه المتفرد.
🎶 بصمة فنية خالدة
تميّز الطنطاوي بأسلوب خاص في العزف على “سلطان الآلات” (العود)، حيث استفاد من ممارسته لآلة التشيلو والبزق، ما منحه قدرة تقنية عالية في التحكم في الريشة والتنقل بين المقامات، وهو ما جعله يوقع صولوهات موسيقية ساحرة لا تزال راسخة في ذاكرة المستمعين.
وخلّف الراحل رصيداً مهماً من المقطوعات الموسيقية، من أبرزها:
“غدر الحبايب”
“حرة عود”
“أضواء المدينة”
“فرحة الشباب”
كما ساهم في تأطير أجيال من الموسيقيين، وكان مرجعاً فنياً يُلجأ إليه لضبط الألحان وتجويدها.
🎼 قيادة الجوق وروح الانضباط
تُوّجت مسيرته بتوليه رئاسة الجوق الوطني ما بين 1988 و1991، وهي فترة وُصفت بالأكثر انضباطاً وإشعاعاً، حيث فرض خلالها رؤية فنية صارمة ساهمت في الارتقاء بجودة الأداء الموسيقي والحفاظ على الهوية الأصيلة للأغنية المغربية.
🕊️ رحيل الجسد وبقاء الأثر
في ماي 2015، رحل عمرو الطنطاوي بمدينة الرباط عن عمر ناهز 86 سنة، بعد معاناة مع المرض، مخلفاً وراءه إرثاً فنياً غنياً، وذاكرة موسيقية حية امتدت لأكثر من خمسة عقود.
لم يكن عمرو الطنطاوي مجرد عازف عابر في تاريخ الموسيقى المغربية، بل كان مدرسة قائمة بذاتها، ورمزاً من رموز الإبداع الوطني، الذي ساهم بإخلاص في بناء صرح الأغنية المغربية، وظل اسمه مقترناً بكل ما هو جميل وأصيل في هذا الفن. إرثه اليوم ليس فقط ألحاناً خالدة، بل ذاكرة فنية تُلهم الأجيال وتؤكد أن الفن الحقيقي لا يموت.
المصدر : https://www.microtv.ma/?p=58647













