اعداد مصطفى جناح
لم يكن الضحك في المغرب مجرد وسيلة للترفيه أو تمرير الوقت، بل تحوّل على أيدي رواد الفكاهة إلى أداة فنية راقية ورسالة مجتمعية نبيلة، تُحاكي الوجدان وتعالج الواقع، وتُقدّم نقدًا بناءً في قالب فكاهي بسيط لكنه عميق في مضمونه.
منذ عقود، برزت في الساحة الفنية المغربية أسماء صنعت البسمة في قلوب الملايين، ليس فقط من خلال عروض مضحكة، بل عبر أعمال تلامس قضايا المجتمع وتعكس واقعه، فكانوا بمثابة مرآة صادقة للناس، يُعبّرون عنهم بلسانهم، ويُقدّمون رسائلهم في قالب ساخر لا يخلو من عمق وفكر.
فكاهة مغربية بروح الأصالة والانتماء
تميّزت الفكاهة المغربية منذ بداياتها بالارتباط الوثيق بالمجتمع، سواء من خلال الشخصيات التي تُجسّد نماذج من الواقع، أو من خلال المواضيع التي تستقي روحها من الشارع والأسرة والحياة اليومية. في الأحياء الشعبية، في المواقف العائلية، في مؤسسات التعليم، في العلاقات الزوجية وحتى في السياسة، لم يترك الفكاهيون المغاربة زاوية إلا واقتحموها بخفة ظل وبسخرية محببة.
لقد أبدع الرواد في نقل هذا الواقع، فجاءت أعمالهم صادقة، عفوية، لا تحمل إسفافًا أو تجريحًا، بل اعتمدت على ذكاء جماعي وفطنة فنية تعكس نضجًا ثقافيًا واضحًا، وتحترم خصوصية المتلقي المغربي وذوقه.
أسماء صنعت المجد الفكاهي وأثرت في أجيال
نجد في مقدمة هؤلاء الرواد اسم الفنان الكبير مصطفى الداسوكين، صاحب الملامح الهادئة والأداء البسيط والعميق، الذي طالما أسر القلوب بحضوره وأسلوبه العفوي. إلى جانبه، يبرز اسم مصطفى الزعري، الذي جمع بين التمثيل الجاد والفكاهة الساخرة، وترك بصمة قوية في عدد من الأعمال التلفزيونية والمسرحية.
ويأتي الفنان حسن الفذ ليجدد الخطاب الفكاهي بأسلوب عصري، جمع فيه بين نقد الواقع وسخرية المواقف اليومية، في أعمال مثل “الشانيلي تي في” و”كبور”، التي حظيت بمتابعة جماهيرية كبيرة داخل المغرب وخارجه.
ولا يمكن الحديث عن الفكاهة دون ذكر أسماء مثل محمد بنبراهيم، ومحمد خيي، ومحمد بسطاوي، الذين قدموا مزيجًا مدهشًا بين الدراما والفكاهة، ونجحوا في تجسيد شخصيات شعبية محبوبة بلمسة إنسانية حقيقية.


المرأة المغربية تقتحم عوالم الفكاهة بقوة وتميز
رغم أن عالم الفكاهة ظل لسنوات طويلة ذكوريًا بامتياز، إلا أن عدداً من الأسماء النسائية استطعن أن يفرضن أنفسهن بقوة. من بينهن نعيمة بوحمالة، التي أبدعت في تقديم شخصية المرأة المغربية البسيطة بتلقائية، زهور السليماني، وفضيلة بنموسى، وحنان الفاضلي، التي امتازت بعروض فكاهية فردية مزجت فيها بين التمثيل والكاريكاتور والستاند أب كوميدي، بأسلوب ذكي وراقٍ.


فكاهة الماضي.. دروس للحاضر
اليوم، ورغم تغيّر الوسائط وتطور المحتوى الرقمي، لا تزال أعمال الرواد حاضرة في الذاكرة الجماعية للمغاربة، تُستحضر في المناسبات، وتُتداول في شبكات التواصل الاجتماعي، ويُعاد بثها على القنوات التلفزية. لأنها ببساطة أعمال نابعة من عمق المجتمع، لا من رغبة في الإثارة أو الشهرة العابرة.

إن استرجاع هذه المسيرة الزاخرة بالأعمال الخالدة، هو بمثابة دعوة لإعادة الاعتبار للفكاهة كفن جاد، يتطلب موهبة وصقلاً وذكاء في الطرح، بعيدًا عن التهريج أو المحتوى الفارغ. كما أنه نداء للجيل الجديد من الفكاهيين كي يسيروا على نهج الرواد، ويحترموا ذوق الجمهور، ويصونوا مكانة الفكاهة كجسر للتواصل والتثقيف والترفيه في آنٍ واحد.
المصدر : https://www.microtv.ma/?p=48626














