اعداد مصطفى جناح
يُعد الفنان الراحل محمد المزكلدي واحدًا من أبرز رواد الأغنية المغربية العصرية، وأحد الأسماء التي ساهمت في بناء صرحها منذ منتصف القرن العشرين، حيث ارتبط اسمه بمرحلة تأسيسية مهمة في تاريخ الموسيقى المغربية الحديثة، إلى جانب جيل من الفنانين الذين نقلوا الأغنية المغربية إلى آفاق عربية أوسع.
وُلد الراحل سنة 1932 بمدينة فاس، حيث نشأ في بيئة علمية وثقافية، ودرس بجامعة القرويين، قبل أن يبدأ مساره الفني في الخمسينيات من القرن الماضي داخل الأجواق المحلية، ثم التحق لاحقًا بـالجوق الوطني المغربي، ليبدأ مسيرة فنية متميزة امتدت لعقود.
✈️ رحلة علم وفن من فاس إلى القاهرة
ارتبطت المسيرة الفنية لمحمد المزكلدي بمحطة مفصلية، حين انتقل في الخمسينيات رفقة مجموعة من الفنانين المغاربة إلى القاهرة، في تجربة فنية وعلمية مهمة، حيث التقى هناك بكبار رموز الطرب العربي مثل:
محمد عبد الوهاب، أم كلثوم، عبد الحليم حافظ، وفريد الأطرش.
كما التحق بجامعة فؤاد الأول للموسيقى، واحتك بالوسط الفني المصري، وسجل أعماله عبر إذاعة صوت العرب، ليصبح بذلك أول فنان مغربي تُذاع له أغنية من القاهرة، وهو ما منحه لاحقًا لقب “سفير الأغنية المغربية في المشرق العربي”.

🎶 مسيرة فنية وأعمال خالدة
تميّز المزكلدي بإسهامه في تطوير الأغنية المغربية العصرية، سواء على مستوى الأداء أو التلحين أو اختيار الكلمات، حيث اشتغل على مزج التراث المغربي بالمدرسة الشرقية، ما منح أعماله طابعًا فنيًا خاصًا.
ومن أبرز أغانيه التي رسخت في الذاكرة الشعبية:

🎵 “العروسة مرهونة”
🎵 “فين غاب القمر”
🎵 “زهرة بلادي”
🎵 “خمسة وخميس”
🎵 “شمعة عندي فالبيت”
🎵 “علاش يا وردة قطعوك”
وتبقى أغنية “العروسة مرهونة” الأشهر على الإطلاق، حيث تحولت إلى جزء من طقوس الأعراس المغربية، ولا يكاد يخلو منها حفل زفاف في مختلف المدن.
🏛️ مسار فني وإنساني مميز
ساهم الراحل، إلى جانب رفيق دربه الفنان الراحل عبد الرحيم السقاط، في تطوير الأغنية المغربية العصرية، التي تطورت لاحقًا على يد رواد آخرين مثل عبد القادر الراشدي ومحمد بن عبد السلام وعبد العاطي أمنا وفتح الله المغاري والطاهر جيمي، وصولًا إلى مرحلة نضجها الفني.

وعُرف المزكلدي أيضًا بأخلاقه العالية ووفائه لأصدقائه، حيث عاش حياة بسيطة رغم عطائه الفني الكبير، وكان قريبًا من زملائه ومحبًا للعمل الجماعي داخل الأجواق الموسيقية.
👑 لحظة إنسانية في مساره
من أبرز اللحظات التي بقيت راسخة في الذاكرة، ما وقع خلال إحدى المناسبات الملكية، حين غنى أغنية “العروسة مرهونة” في حفل زفاف الأميرة للا مريم سنة 1984، بعد أن طلب الملك الراحل الحسن الثاني حضوره شخصيًا بعد ملاحظة غيابه.
وقد تميزت تلك اللحظة بطابع إنساني خاص، حيث عبّر المزكلدي عن قناعته البسيطة، وفضّل في موقف آخر مساعدة فنان محتاج على حساب استفادته الشخصية، ما جعله يحظى بتقدير كبير داخل الوسط الفني والملكي.
🕊️ الوفاة والإرث الفني
توفي الفنان محمد المزكلدي يوم 30 يناير 2018 بالمستشفى العسكري بالرباط بعد معاناة مع المرض، عن عمر ناهز 86 عامًا، تاركًا خلفه إرثًا غنيًا من الأعمال التي ما تزال حاضرة في الذاكرة الفنية المغربية.
يبقى محمد المزكلدي واحدًا من أعمدة الأغنية المغربية الكلاسيكية، ورمزًا لفترة ذهبية جمعت بين الأصالة والتجديد، وبين الانفتاح على المشرق والحفاظ على الهوية المغربية، ليظل اسمه حاضرًا في وجدان الأجيال.
المصدر : https://www.microtv.ma/?p=58589














