اعداد مصطفى جناح
في زمن تتراجع فيه إذاعاتنا الوطنية والجهوية عن بث روائع الزمن الجميل، يظل اسم محمد فويتح واحداً من أبرز رموز الأغنية المغربية التي جسدت روح “تمغربيت” في أبعادها الفنية والوطنية والإنسانية. ورغم القيمة الكبيرة التي يمثلها هذا الفنان في تاريخ الموسيقى بالمغرب، فإن جزءاً من الجيل الجديد لا يعرف إلا القليل من إرثه الغني، الذي شكّل لبنة أساسية في بناء الهوية الفنية الوطنية.
لم يكن فويتح مجرد مطرب، بل كان فناناً شاملاً جمع بين الكتابة والتلحين والأداء، وارتبط اسمه بأعمال خالدة، في مقدمتها أغنية “أو مالولو”، التي تجاوزت حدود الإبداع الفني لتتحول إلى وثيقة تاريخية تختزل مرحلة دقيقة من تاريخ المغرب، وتُجسد وجدان شعب بأكمله في لحظة ألم وأمل.أغنية من رحم الوطنية
خلال فترة إقامته بفرنسا، أبدع فويتح أغنية “أو مالولو” بروح وطنية صادقة، مستحضراً مأساة نفي الملك المجاهد محمد الخامس وأسرته الشريفة من طرف الاستعمار الفرنسي إلى كورسيكا ثم مدغشقر. وقد شكلت هذه الأغنية صرخة فنية مؤثرة، عبّرت عن حنين المغاربة لوطنهم وملكهم، لتصبح واحدة من أبرز الأغاني الوطنية التي خلدت تلك المرحلة التاريخية.من فاس إلى باريس… رحلة التكوين والتأثير
وُلد محمد فويتح، واسمه الحقيقي محمد التدلاوي، بمدينة فاس أواخر عشرينيات القرن الماضي، وعاش طفولة صعبة بعد فقدانه لوالده، ما اضطره إلى العمل في سن مبكرة. غير أن شغفه بالموسيقى قاده إلى تعلم العزف على آلة العود، ليبدأ مسيرته بتقليد كبار الفنانين المشارقة، قبل أن ينفتح تدريجياً على التراث المغربي، متأثراً بأعمال الحسين السلاوي.وفي نهاية الأربعينيات، شد الرحال إلى فرنسا، حيث اشتغل في المقاهي والنوادي الليلية، مقدماً الأغاني الشرقية، كما تعامل مع فرق موسيقية عربية، وسجل أعمالاً لإذاعات فرنسية ودولية، ما ساهم في صقل تجربته الفنية وتوسيع آفاقه.
لقاء غيّر المسار
شكل لقاؤه بالموسيقار الكبير محمد عبد الوهاب نقطة تحول حاسمة في مسيرته، حيث نصحه بالابتعاد عن تقليد النموذج الشرقي والتركيز على تطوير الأغنية المغربية الأصيلة. كانت تلك النصيحة بمثابة ولادة جديدة، عاد بعدها فويتح ليؤسس لأسلوب مغربي خالص، مزج فيه بين التراث والتجديد.وقد أثمر هذا التحول عن مجموعة من الأغاني الناجحة، مثل “لبركي هواني”، “إلا تيق بيا”، “توبة يا قلبي توبة”، “اعتذار” و“كأس البلار”، إضافة إلى عشرات الأعمال التي أغنت الخزانة الفنية المغربية.
فنان يكتشف النجوم
لم يقتصر عطاؤه على الغناء والتلحين، بل امتد إلى دعم واكتشاف المواهب، حيث يُنسب إليه الفضل في تقديم الفنانة وردة الجزائرية إلى محمد عبد الوهاب خلال تواجدها بباريس، وهو ما فتح أمامها آفاق الشهرة في العالم العربي.أسلوب متفرد ومسيرة غنية
يُصنف محمد فويتح ضمن فئة “المطربين الملحنين”، على غرار أسماء مغربية بارزة مثل أحمد البيضاوي وعبد الوهاب الدكالي. وتميزت ألحانه بطابع مغربي أصيل غني بالإيقاعات المحلية، فيما عكست كلماته عمقاً إنسانياً وصدقاً عاطفياً، خاصة في تعاونه مع كبار الزجالين، وعلى رأسهم أحمد الطيب العلج.كما بصم على حضور قوي في الأغنية الوطنية، من خلال أعمال خلدت محطات تاريخية بارزة، مثل عودة الملك محمد الخامس من المنفى والمسيرة الخضراء.
إنسان قبل أن يكون فناناً
بعيداً عن الأضواء، عاش فويتح حياة بسيطة اتسمت بالتواضع والكرم، حيث عُرف بشهامته وسخائه، رغم مروره بفترات من الضيق المادي. وكان يقيم في شقة متواضعة بمدينة فاس، مفتوحة أمام الفنانين، قبل أن تتغير ظروفه بعد التفاتة ملكية من الراحل الحسن الثاني، الذي منحه رخصة نقل ساهمت في تحسين أوضاعه، ليستقر لاحقاً بمدينة طنجة.
رحيل الجسد… وبقاء الأثر
في 18 شتنبر 1996، رحل محمد فويتح إلى دار البقاء، تاركاً وراءه إرثاً فنياً ضخماً يضم مئات الأغاني التي لا تزال حاضرة في وجدان المغاربة، رغم محدودية بثها في وسائل الإعلام.بين الأمس واليوم
في آخر خرجاته الإعلامية، عبّر فويتح عن أسفه لتراجع مستوى الأغنية المغربية، معتبراً أن الساحة الفنية أصبحت تفتقر إلى التمييز بين الغث والسمين، في إشارة إلى تراجع الجودة والإبداع.
ورغم هذا الواقع، يظل اسم محمد فويتح منقوشاً في ذاكرة الفن المغربي، كأحد “حراس الأصالة”، وصوت صادق جسّد “تمغربيت” في أبهى صورها، تاركاً إرثاً يستحق أن يُعاد اكتشافه وتثمينه من طرف الأجيال الجديدة.
المصدر : https://www.microtv.ma/?p=58550














