بقلم: حسن بلعسري✍️
في شوارع مدينة وجدة، وبين المقاهي والأسواق والأحياء الشعبية، لا يدور الحديث هذه الأيام فقط حول أسماء المرشحين وبرامج الأحزاب، بل تحوم في النقاشات اليومية أسئلة مقلقة حول المال والانتخابات، وحول ما يتداوله المواطنون من شبهات تتعلق بمحاولات استمالة بعض الناخبين والتأثير في اختياراتهم، خصوصاً في أوساط الفئات الهشة والمواطنين الذين أنهكتهم الحاجة وضغط المعيشة.
هي أحاديث الشارع، لا أحكام قضائية.
وهي تساؤلات مواطنين، لا اتهامات موجهة إلى أشخاص بعينهم.
لكن تجاهل ما يدور في الشارع لا يعني أن هذه الأسئلة غير موجودة.
فحين يصبح الحديث عن المال حاضراً بقوة كلما اقترب موعد الانتخابات، وحين يتساءل المواطن البسيط عن حدود المنافسة السياسية الشريفة، يصبح من واجب الجميع الإنصات، ومن واجب الجهات المختصة التحقق من كل ما يمكن أن يمس نزاهة العملية الانتخابية، وفق ما يقتضيه القانون.
السؤال الذي يتردد اليوم في وجدة، كما في مناطق أخرى من المغرب، بسيط في عبارته، لكنه عميق في دلالته:
هل يتنافس المرشحون بالبرامج والأفكار والكفاءات، أم أن المال ما زال يحاول، في بعض الحالات التي يتحدث عنها المواطنون، أن يجد طريقه إلى إرادة الناخب؟
إن أخطر ما يمكن أن تعرفه أي ديمقراطية هو أن يتحول الفقر إلى نقطة ضعف سياسية، وأن تصبح حاجة المواطن فرصة لاستغلال صوته.
فالفقير الذي يبحث عن ثمن الدواء، أو مصاريف الدراسة، أو قوت أسرته، لا ينبغي أن يوضع أمام معادلة قاسية بين حاجته اليومية وضميره السياسي.
صوت المواطن ليس سلعة.
وصندوق الاقتراع ليس سوقاً للمساومة.
والمقعد البرلماني ليس غنيمة تُنال بالمال، بل مسؤولية وطنية يمثل صاحبها المواطنين، ويساهم في التشريع ومراقبة العمل الحكومي والدفاع عن قضايا الوطن.
ومن حق المواطن أن يتساءل:
أين هي الحدود الفاصلة بين العمل الانتخابي المشروع ومحاولات التأثير غير المشروع على إرادة الناخب؟
ومن حقه أيضاً أن يسأل:
إذا كانت هناك أفعال أو شبهات تمس بنزاهة المنافسة، فأين هي المؤسسات المكلفة بتطبيق القانون؟ وأين تبدأ إجراءات المراقبة والتحقق والزجر؟
ولا يعني طرح هذه الأسئلة اتهام أي شخص أو جهة، لأن المسؤولية الجنائية لا تثبت بالأحاديث ولا بالشائعات، بل بالأدلة والتحقيقات والمساطر القانونية، وتبقى الجهات القضائية والإدارية والأمنية المختصة وحدها المخولة بالبحث والتحقق وترتيب الآثار القانونية عند الاقتضاء.
لكن، في المقابل، فإن حماية سمعة الأشخاص لا يجب أن تتحول إلى ذريعة للصمت عن النقاش العمومي المشروع.
فالمواطن من حقه أن يقلق.
ومن حقه أن يسأل.
ومن حقه أن يريد انتخابات نظيفة.
بل إن الثقة في المؤسسات لا تُبنى بالصمت، وإنما باليقظة، وتطبيق القانون، والتعامل الجدي مع كل ما من شأنه المس بحرية الاختيار.
المال لا يصنع ممثلاً حقيقياً للشعب
قد يستطيع المال، في بعض الظروف، أن يستغل الحاجة.
وقد يستطيع أن يفتح أبواباً مغلقة.
وقد يستطيع أن يجمع حوله أصواتاً مؤقتة.
لكنه لا يستطيع أن يمنح صاحبه الشرعية الأخلاقية الحقيقية.
لأن المنتخب الحقيقي هو الذي يصل بثقة المواطنين، لا باستغلال ضعفهم.
والمواطن الذي يبيع صوته، تحت ضغط الحاجة أو الإغراء، قد ينسى للحظة أن ما يمنحه ليس مجرد صوت عابر، بل خمس سنوات من التمثيلية، وخمس سنوات من القرارات، وخمس سنوات من مستقبل مدينة أو جهة أو وطن.
إن بضعة دراهم، إن ثبت أنها استُعملت للتأثير في الاختيار، لا يمكن أن تعوض مستشفى غائباً، أو فرصة شغل مفقودة، أو مدرسة تحتاج إلى إصلاح، أو مستقبلاً ضاع بسبب اختيارات سياسية غير مسؤولة.
صوتك أغلى من أن يُقايض بحاجتك.
العزوف… احتجاج صامت أم استسلام؟
في المقابل، يختار عدد كبير من المواطنين الابتعاد عن الانتخابات.
البعض يقول: لا شيء سيتغير.
والبعض يقول: الوجوه نفسها تعود دائماً.
والبعض فقد الثقة في الوعود التي تتكرر كل خمس سنوات.
وقد يكون هذا العزوف، في جانب منه، تعبيراً صامتاً عن الغضب والسخط وفقدان الثقة.
لكن السؤال الذي يجب أن نواجهه بصدق هو:
هل الانسحاب من التصويت يعاقب من فقدنا الثقة فيهم، أم يمنحهم فرصة أكبر للاستمرار؟
حين تعزف الأغلبية عن المشاركة، لا يتوقف قطار الانتخابات.
بل يستمر.
لكن من يقرر هذه المرة قد يكون أقلية محدودة العدد، أكثر تنظيماً، أو أكثر قدرة على الحشد والتأثير.
وهنا تكمن الخطورة.
لأن مصير مدينة، بل ومستقبل أمة، يمكن أن يصبح في يد فئة صغيرة، بينما تبقى الأغلبية خارج المشهد، غاضبة ومتفرجة.
إن المقاطعة قد تكون موقفاً، لكنها لا تغير دائماً النتيجة التي ستُفرض على الجميع.
فالذين لا يصوتون، سيعيشون أيضاً نتائج الانتخابات.
وسيتأثرون بالقوانين التي ستصدر.
وبالسياسات التي ستُعتمد.
وبالقرارات التي سيتخذها من وصلوا إلى المؤسسات باسم الشعب.
وجدة تحتاج إلى ثقة جديدة
مدينة وجدة، بكل تاريخها ومكانتها وإمكاناتها، تحتاج اليوم إلى إعادة الثقة في العمل السياسي.
تحتاج إلى منافسة شريفة.
تحتاج إلى برامج واقعية.
تحتاج إلى كفاءات قريبة من هموم الناس.
وتحتاج، قبل كل شيء، إلى مواطن يدرك أن صوته ليس ورقة بلا قيمة.
إن المواطن الوجدي لا يحتاج إلى من يشتري صمته، ولا إلى من يتذكره فقط في موسم الانتخابات.
إنه يحتاج إلى من يسمع إليه قبل الانتخابات وبعدها.
من يعيش مشاكله.
من يدافع عن قضاياه.
من يقدم حلولاً حقيقية لا وعوداً موسمية.
من أجل انتخابات تحترم المواطن
إن الحديث عن نزاهة الانتخابات ليس هجوماً على أحد، بل دفاع عن الجميع.
دفاع عن المرشح النزيه.
ودفاع عن المواطن الفقير.
ودفاع عن المؤسسات.
ودفاع عن صورة المغرب.
لقد أصبح من الضروري أن يعرف الجميع أن الطريق إلى البرلمان يجب أن يمر عبر ثقة المواطنين، لا عبر استغلال الحاجة، وأن المنافسة الحقيقية تكون بالبرامج والأفكار والقدرة على الإقناع.
ويبقى الرهان اليوم على يقظة المؤسسات المختصة، وعلى تطبيق القانون بكل حياد وحزم عند ثبوت أي مخالفة، وعلى وعي المواطن الذي يبقى هو الحارس الأول لصوته.
فلا ينبغي أن نصدق كل ما يقال في الشارع دون دليل.
لكن لا ينبغي أيضاً أن نتجاهل كل ما يقلق الشارع.
بين الصمت والشائعة، توجد الحقيقة.
وبين الاتهام والتستر، يوجد القانون.
وبين المال وصندوق الاقتراع، يوجد ضمير المواطن.
وجدة اليوم لا تحتاج إلى مزيد من الوعود… بل تحتاج إلى ثقة.
ثقة في أن صوت الفقير لن يكون مجالاً للاستغلال.
ثقة في أن القانون سيطبق.
ثقة في أن المؤسسات ستظل يقظة.
وثقة في أن المواطن، مهما كانت ظروفه، لن يفرط في حقه في اختيار من يمثله.
لأن الانتخابات ليست شأناً يخص المرشحين وحدهم.
إنها قضية مجتمع.
وقضية مستقبل.
وقضية وطن.
فلا تترك مصيرك بيد غيرك، ولا تجعل الغضب يدفعك إلى الانسحاب، ولا تسمح للحاجة بأن تُسكت صوت ضميرك.
صوتك أمانة… وصوت الشعب لا يُشترى.
حسن بلعسري





إرسال تعليق