المصطفى قصاب
مقاطعة بدأت بهاشتاغ وانتهت بطوابير الغلاء.
في منتصف شتنبر 2026، وبالتزامن مع أزمة الهجرة في سبتة المحتلة، ظهرت في إسبانيا دعوات تبدو للوهلة الأولى وطنية: “لا تشتري المغربي”، “راقب الملصق”، “احمِ الفلاح الإسباني”.
جمعية صغيرة في ضاحية مدريد اسمها *ACUSVAL – جمعية حماية المستهلكين في فالديمورو أطلقت نداء رسميا: تجنبوا شراء المنتجات المغربية ردا على ما وصفته بـضغوط المخزن على سبتة ومليلية. وتلقفها اتحاد المزارعين *COAG* و اليمين المتطرف، بل وتم إطلاق تطبيق ذكي على الهواتف يسمح للمستهلك بمسح الباركود ليعرف هل المنتج مغربي أم لا فيقاطعه.
الشعار كان: سنؤدب المغرب اقتصاديا.
بعد 10 أيام فقط، كانت النتيجة عكسية تماما. الإسباني لم يؤدب المغرب، بل أدب جيبه. والصور التي نشرتها صحيفة Rue20 وصباح أكادير من قلب اسواق Mercadona و Carrefour في مدريد وبرشلونة ومتاجر Auchan في باريس، كشفت الحقيقة المرة.
الفصل الأول: كيف كان يعيش الإسباني قبل المقاطعة؟
المغرب هو الحديقة الخلفية لأوروبا غذائيا. بالأرقام:
– المغرب يصدر لأوروبا أكثر من 1.2 مليون طن من الطماطم سنويا، وحدها تشكل 40% من حاجيات فرنسا وإسبانيا في الشتاء.
– الطماطم المغربية تدخل بثمن منافس: بين 1.2 و 1.8 أورو للكيلو في الجملة، لأن تكلفة اليد العاملة في المغرب، حسب تصريح أمين عام COAG نفسه أندريس غونغورا: مقابل كل 10 أورو ندفعها نحن للعامل، المغرب يدفع 1 أورو فقط.
– الفراولة، الفاصوليا الخضراء، الفلفل، الأفوكادو، البطيخ.. كلها منتجات كثيفة اليد العاملة لا تستطيع إسبانيا منافسة المغرب فيها.
المواطن الإسباني كان يشتري الطماطم الجيدة بـ 1.5 إلى 2 أورو للكيلو طوال الشتاء، بفضل المغرب.
الفصل الثاني: ماذا حدث بعد دعوات المقاطعة؟
عندما استجابت بعض المتاجر الإسبانية خوفا من حملات على مواقع التواصل، ورفضت استقبال شاحنات مغربية (تم توثيق اعتراض شاحنات مرخصة في إقليم ألميريا)، وقلصت الطلبات من المغرب تضامنا مع الفلاح الإسباني، حدث ما لم يكن في الحسبان:
1. الفراغ القاتل في السوق: المنتج الإسباني المحلي غير موجود في هذا الوقت من السنة. موسم الطماطم الإسبانية ينتهي في غشت. من شتنبر إلى فبراير، أوروبا تعيش على المغرب.
2. اضطرار إسبانيا لشراء طماطم فرنسا: فرنسا نفسها لا تنتج الطماطم بكثرة في هذا الفصل، وما تنتجه يكلف كثيرا بسبب الطاقة والعمالة. فأصبحت إسبانيا، التي كانت تصدر الطماطم، تستورد بقايا الإنتاج الفرنسي الهولندي بأسعار خيالية.
وهنا ظهرت الصورة التي أشعلت السخرية في المغرب:
– في متجر فرنسي: طماطم عادية (مستوردة) بـ 8 أورو للكيلوغرام.
– في نفس المتجر: طماطم فرنسية ممتازة بـ 12.39 أورو للكيلوغرام
يعني المواطن الإسباني والفرنسي الذي كان يدفع 2 أورو، أصبح يدفع 8 أضعاف الثمن ليأكل منتجا فرنسيا أقل جودة وأغلى تكلفة، فقط لأنه قاطع المنتج المغربي.
الفصل الثالث: من الخاسر الحقيقي؟
الخاسر الأول: المواطن الإسباني. نشطاء إسبان بدأوا يصرخون على تيك توك: “نحن من ندفع ثمن هذه العنتريات السياسية”. جمعية المستهلكين الإسبانية OCU نفسها اعترفت أن سلة الخضار ارتفعت بنسبة 23% في أسبوع واحد.
الخاسر الثاني: الفلاح الإسباني نفسه. وزير الفلاحة الإسباني *لويس بلاناس* خرج ليصفع دعاة المقاطعة. قال في البرلمان بوضوح: التشكيك في جودة المنتجات المغربية هو تشكيك في كفاءة موظفي الرقابة الإسبان على الحدود. القوانين الأوروبية تطبق بصرامة على الجميع. واتهم الحزب الشعبي و VOX بأنهم يلعبون بالنار وستجدون أنفسكم إلى يسار فوكس. لأن بلاناس يعرف الحقيقة: المصدرون الإسبان أنفسهم يعيدون تصدير المنتج المغربي إلى باقي أوروبا ويكسبون منه الملايين.
الخاسر الثالث: صورة إسبانيا كشريك. مهنيون مغاربة قالوا لصحيفة Lapress: إدخال المنتجات الفلاحية في التجاذبات السياسية يهدد سلاسل الإمداد. المغرب اليوم يفتح أسواقا جديدة: إنجلترا، روسيا، الخليج، إفريقيا. إسبانيا التي كانت بوابة المغرب لأوروبا، قد تخسر دورها كوسيط.
الفصل الرابع: هل المنتج المغربي خطر كما يروجون؟
هنا مربط الفرس. الحملة الإسبانية روجت أن المنتج المغربي مليء بالمبيدات. والحقيقة أن نظام الإنذار الأوروبي RASFF يسجل حالات على الجميع: إسبانيا نفسها تسجل 10 أضعاف ما يسجل على المغرب.
نعم، سجلت حالة واحدة لفلفل مغربي فيه مادة Abamectine بتركيز 0.13 ملغ/كلغ في ألمانيا مرورا بإسبانيا، وتم منعه، لكنه إجراء عادي يحدث مع كل الدول. المنتج المغربي يخضع لرقابة صارمة على الحدود الأوروبية، ولو كان خطرا لمنع منذ زمن.
الحملة الحقيقية ليست صحية، بل اقتصادية وسياسية. اتحاد COAG يعترف: المشكل ليس الجودة، المشكل أن المغرب أرخص وأنقى.
لا غنى لأوروبا عن المغرب
ما حدث في شتنبر 2026 أثبت قاعدة اقتصادية بسيطة: الأمن الغذائي لأوروبا مرتبط بالمغرب.
عندما قاطعوا الطماطم المغربية، لم يجد الإسباني بديلا إلا أن يشتري الطماطم الفرنسية بـ 12.39 أورو، وهي نفس الطماطم التي كانت تأتيه من أكادير وشتوكة بـ 1.5 أورو، مغسولة ومعبأة فقط في فرنسا.
الإسباني اليوم يأكل بقايا فرنسا، بثمن الذهب، عقابا له على مقاطعة فاشلة.
والدرس الذي يجب أن يتعلمه السياسي الإسباني قبل الفلاح: يمكنك أن تقاطع بلدا في الشعارات، لكن لا يمكنك أن تقاطع الطبيعة. والطبيعة قررت أن الطماطم في الشتاء تنمو في سوس، وليس في ألميريا.
المقاطعة انتهت، والطماطم المغربية عادت إلى الرفوف، لكن المواطن الأوروبي تعلم الدرس: من يحرضك على المقاطعة، لن يدفع عنك الفاتورة في السوبرماركت.





إرسال تعليق