في زمن تتقاطع فيه الهجرة مع التحديات القانونية والإنسانية، تبرز أسماء نسائية مغربية استطاعت أن تحوّل الغربة إلى فضاء للنجاح والعطاء، ومن بين هذه الأسماء تلمع الأستاذة حنان بونعاس، محامية بهيئة مدريد، متخصصة في قانون الهجرة وقانون الشغل، ونموذج لامرأة مغربية شقّت طريقها بثبات في واحدة من أكثر المهن تعقيدًا خارج الوطن.
تخرجت الأستاذة حنان بونعاس من كلية الحقوق بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، حيث راكمت أساسها الأكاديمي، قبل أن تختار خوض تجربة الغربة بإسبانيا، دون أن تتنكر لهويتها أو تنفصل وجدانيًا عن مسقط رأسها. فقد ظلت، كما تصف بنفسها، وفية لقرية بني وليد التي تنحدر منها، وتعتبرها “الشامخة العزيزة على القلب”، ومنها انطلقت أولى خطواتها الدراسية، بين التعليم الابتدائي والإعدادي، ثم الثانوية بثانوية يعقوب المنصور الذهبي بتيسة، وصولًا إلى الجامعة بمدينة فاس.
خلافًا لما قد يُعتقد، لم يكن حلم الاستقرار في إسبانيا مشروعًا مسبقًا في مسار الأستاذة بونعاس، إذ سبق لها أن اجتازت مباراة المحاماة بالمغرب، غير أن زيارة عائلية لإسبانيا شكّلت منعطفًا حاسمًا، قادها إلى اتخاذ قرار التعلم والتأهيل بدل القفز في المجهول. فاختارت طريقًا صعبًا لكنه آمن: احترام تام لقوانين الإقامة، استثمار الوقت في تعلم اللغة الإسبانية، والعمل على الاندماج المجتمعي والمهني بخطوات محسوبة.
وفي إطار هذا المسار، اشتغلت بونعاس ضمن برنامج الاتحاد الأوروبي للاندماج بشراكة مع بلدية مدريد، بالتوازي مع خوضها مسطرة معادلة شهادة الإجازة في الحقوق، وهي مسطرة دقيقة تطلبت متابعة الدراسة واجتياز امتحانات في عشر مواد قانونية أساسية، من بينها مواد غير مدرّسة في كليات الحقوق المغربية، مثل قانون الاتحاد الأوروبي. مسار أكاديمي ومهني استغرق ثلاث سنوات من المثابرة، تُوّج بانضمامها إلى نقابة المحامين بمدريد سنة 2010.
ورغم النجاح المهني، لا تخفي الأستاذة حنان بونعاس حنينها الدائم إلى الوطن، واعترافها بضغط الشوق إلى مسقط الرأس، غير أن هذا الحنين تحوّل إلى طاقة إيجابية انعكست في دفاعها المستمر عن قضايا المهاجرين، خصوصًا من يعيشون أوضاعًا قانونية هشة. وتؤكد أنها تشعر بسعادة خاصة كلما ساهمت في تسوية وضعية مهاجر أو إعادة الاستقرار القانوني لأسرة في أرض المهجر.
وفي سياق المستجدات القانونية بإسبانيا، كشفت الأستاذة بونعاس، في تصريح مهني، معطيات دقيقة حول الخطة الحكومية الإسبانية لتسوية أوضاع المهاجرين غير النظاميين، والتي يُرتقب أن يستفيد منها نحو 500 ألف شخص، حسب ما أعلنته المتحدثة باسم الحكومة ووزيرة الضمان الاجتماعي والهجرة، يوم الثلاثاء 27 يناير 2026. وأوضحت أن تنفيذ هذه الخطة سيتم خلال شهر أبريل المقبل عبر مرسوم ملكي يفتح الباب أمام تسوية جماعية ومبسطة.
وأضافت أن فترة تقديم الطلبات ستمتد من أبريل إلى غاية 30 يونيو من السنة الجارية، مشيرة إلى أن التسوية تشمل مبدئيًا كل من ولج التراب الإسباني قبل 31 دجنبر 2025، بمن فيهم الطلبة، والمقيمون في وضعية غير نظامية، وطالبو اللجوء. كما أكدت أن شروط التسوية قد تم الحسم فيها، وتتلخص في إثبات تاريخ الدخول، والتوفر على مدة خمسة أشهر خلال مرحلة تقديم الطلب، مع تعزيز الملف بالوثائق الأساسية.
وأبرزت أن دراسة الملفات تتم في أجل لا يتعدى 15 يومًا للقبول الأولي، يحصل خلالها المعني بالأمر على وصل يخول له العمل بشكل قانوني إلى حين البت النهائي في الملف، والحصول على بطاقة الإقامة، مع التنبيه إلى أن الطلبات غير المستوفية للشروط الأساسية لن يتم قبولها. واعتبرت الأستاذة بونعاس هذا الإجراء الحكومي فرصة استثنائية لتسوية أوضاع المهاجرين غير النظاميين بطريقة مبسطة وبدون تعقيدات إدارية.
كما شددت على أن المهاجرين المتوفرين على أطفال قاصرين سيستفيد أبناؤهم بدورهم من إقامة لمدة خمس سنوات، في خطوة تعكس بعدًا اجتماعيًا وإنسانيًا في السياسة الهجرية الجديدة.
بهذا المسار، تجسد الأستاذة حنان بونعاس صورة المرأة المغربية الكفؤة، التي نجحت في الجمع بين الاحتراف القانوني، والوفاء للجذور، والانتصار لقضايا الإنسان في الغربة، مؤكدة أن النجاح خارج الوطن لا يكتمل إلا حين يظل القلب معلقًا به.
وتؤكد مجموعة جرائد الوطن العربي أنها تتابع باهتمام المسار المهني والإنساني للأستاذة حنان بونعاس، على أن تعود إلى الموضوع بتفاصيل ومعطيات إضافية في مناسبات قادمة.
إعداد: عبدالإلاه موفضيل
المصدر : https://www.microtv.ma/?p=57573














