🖋 _الخمار صافي_
حين يتجاوز الترحيب حدوده، يصبح من المشروع طرح الأسئلة الصعبة. فكرم الضيافة وإكرام الضيف من القيم الراسخة في المجتمع المغربي، قيمٌ توارثها المغاربة جيلًا بعد جيل، واستمدوها من أخلاقهم الأصيلة، ومن تعاليم دينهم، ومن تاريخ حضاري طويل جعل من المغرب أرض استقبال وتعايش، لا أرض نفور وعداء. غير أن هذه القيم، حين تُمارَس خارج سياق الندية والاحترام المتبادل، قد تتحول من مكارم أخلاق إلى عنصر يُساء فهمه ويُساء توظيفه.
لقد كنت، مثل كثير من المغاربة، من دعاة التعقل، ومن الرافضين للانجرار وراء الشائعات والخطابات الموقِدة للفتنة بين الشعوب المغاربية، وخصوصًا بين المغاربة والجزائريين. وكنت أؤمن بأن حسن النية، والروابط التاريخية، كفيلة بتجاوز الخلافات السياسية الظرفية. غير أن الوقائع المتراكمة، وسلوكيات متكررة، دفعت عددًا متزايدًا من المغاربة ذوي الألباب إلى إعادة النظر في هذا التفاؤل.
وقد شكّل الحدث الإفريقي الكبير الذي احتضنه المغرب، بمناسبة نهائي كأس إفريقيا للأمم، اختبارًا حقيقيًا لقيم الضيافة المغربية في أبهى صورها. فقد فُتحت البيوت قبل الفنادق، واستُقبل الوافدون من مختلف الجنسيات بترحاب واسع، وكان المواطنون الجزائريون، على وجه الخصوص، محل حفاوة بالغة من طرف المغاربة، بدافع حسن الجوار وروح الأخوّة الشعبية، بعيدًا عن أي حسابات سياسية.
غير أن الصادم والمؤسف هو أن هذا السلوك النبيل لم يُقابَل، في حالات معيّنة، بالاحترام الواجب. فبعد إقصاء المنتخب الجزائري أمام المنتخب النيجيري، وبدل مغادرة بعض المشجعين بروح رياضية كما تقتضي القيم الرياضية والإنسانية، سُجّلت تصرفات خطيرة تمثلت في العبث بممتلكات الدولة، والاعتداء على عناصر الأمن الوطني، وتمزيق العملة المغربية، والاعتداء على صحفيين مغاربة أثناء أداء واجبهم المهني.
هذه الأفعال، التي لا يمكن تبريرها تحت أي ذريعة، كشفت عن نيات مبيّتة لدى فئة كانت تنتظر أي فرصة لإفساد العرس الإفريقي، بدافع الحقد والكراهية، لا بدافع الغضب الرياضي العابر. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل هذا هو جزاء شعب فتح بيته وقلبه قبل حدوده؟ وهل يُكافأ الكرم بالإساءة، وحسن النية بالتخريب؟
إن المشكلة ليست في كرم المغاربة، ولا في قيمهم، بل في غياب الاحترام المتبادل، وفي اختلاف عميق في الثقافة السياسية والسلوكية لدى بعض الأطراف، سواء على مستوى الخطاب أو الممارسة. فالأمم التي لا تعترف بالجميل، ولا تميّز بين حسن النية والضعف، تسيء أولًا إلى نفسها قبل أن تسيء إلى غيرها.
ومن هنا، بات كثير من المغاربة يطرحون تساؤلات مشروعة حول جدوى الاستمرار في سياسة الانفتاح غير المشروط، وحول معنى الترحيب حين لا يُقابَل بالاحترام. بل يذهب عدد متزايد منهم إلى اعتبار أن استمرار غلق الحدود المغربية-الجزائرية أصبح خيارًا واقعيًا وطويل الأمد، لا بدافع الكراهية، بل حمايةً للاستقرار، وصونًا للكرامة الوطنية، وتفاديًا لتوظيف الأخلاق المغربية في غير محلها.
إن كرم المغاربة لن يتغير، لأنه جزء من هويتهم، لكنه اليوم بحاجة إلى وعي جديد يميّز بين الضيف المحترم، ومن يستغل الضيافة لأغراض عدائية أو تحريضية. فالأخلاق لا تعني السذاجة، والانفتاح لا يعني التفريط، وحسن الجوار لا يمكن أن يكون من طرف واحد.
وخلاصة القول، إن احترام المغرب للآخرين، أفرادًا ودولًا، يجب أن يظل قائمًا، ولكن على أساس الندية والاحترام المتبادل، لا على حساب الكرامة الوطنية. فحين تتجاوز الضيافة حدودها، يصبح من الحكمة إعادة ضبط البوصلة، لا التخلي عن القيم، بل حمايتها من سوء التأويل والاستغلال.
المصدر : https://www.microtv.ma/?p=57166














