بقلم: حسن العسري✍️
كلما اقترب موعد الانتخابات في المغرب، عادت الوجوه نفسها إلى المنصات، واشتعلت القاعات بالتصفيق، وارتفعت الأصوات بالشعارات، وبدأ التراشق بين السياسيين، وكأن المواطن المغربي لم يكن حاضرًا طوال السنوات الماضية، وكأن الذاكرة الشعبية لا تتذكر من كان في الحكومة، ومن كان في الأغلبية، ومن كان يتولى المسؤولية، ومن كان يملك القرار.
فجأة، يصبح الجميع مع المواطن.
الجميع يتحدث عن الفقر والبطالة والغلاء، والجميع يكتشف تراجع القدرة الشرائية، ويتحدث عن الشباب والعدالة الاجتماعية والكرامة وإصلاح التعليم والصحة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو:
أين كان كل هؤلاء عندما كانوا يتوفرون على السلطة والقرار والمسؤولية؟
حين تتحول السياسة إلى موسم انتخابي
ما يقع في عدد من اللقاءات السياسية والحزبية يثير علامات استفهام كثيرة. سياسيون يتبادلون الاتهامات، وقيادات حزبية تتراشق بالمسؤوليات، وأحزاب تتحدث عن إخفاقات بعضها البعض، بينما عدد من المتحدثين اليوم كانوا، في مراحل مختلفة، جزءًا من الحكومات أو الأغلبية أو المؤسسات المنتخبة.
من حق المعارضة أن تنتقد، ومن واجبها أن تراقب، كما أن من حق الأغلبية أن تدافع عن حصيلتها. لكن المواطن يريد أكثر من مجرد معرفة من أخطأ ومن أصاب.
إنه يريد أن يعرف:
ماذا فعلتم عندما كانت لديكم السلطة؟
ماذا أنجزتم؟
وماذا ستفعلون بشكل مختلف إذا منحكم الشعب ثقته مرة أخرى؟
فالانتخابات ليست مناسبة لمحو الماضي، وإنما فرصة لتقييمه.
المواطن يقيس السياسة بما يعيشه
المواطن لا يعيش داخل المؤشرات الاقتصادية ولا داخل الخطب السياسية، بل يعيش تفاصيل يومية بسيطة ومباشرة.
ارتفاع تكاليف المعيشة، وغلاء عدد من المواد الأساسية، وتكاليف النقل والطاقة، والضرائب والرسوم، كلها عوامل تنعكس على حياة الأسر.
والمواطن لا يسأل كل يوم عن نسب النمو والمؤشرات الاقتصادية، بل يطرح سؤالًا أكثر بساطة:
هل أصبح دخلي يكفي للعيش بكرامة أم لا؟
وعندما ترتفع كلفة المحروقات، فإن آثارها لا تتوقف عند محطة الوقود، بل تمتد إلى النقل والإنتاج والتوزيع، وتنعكس في نهاية المطاف على أسعار العديد من السلع والخدمات.
لذلك فإن نجاح أي سياسة لا ينبغي أن يقاس فقط بما تعلنه الأرقام، وإنما بما يشعر به المواطن في السوق، وفي المستشفى، وفي المدرسة، وفي وسائل النقل، وفي فرص العمل.
فالتنمية الحقيقية هي التي تصل آثارها إلى الحياة اليومية للناس.
ملف «الفراقشية» وسؤال المال العام
لقد تحول ملف الدعم العمومي الموجه إلى قطاع المواشي واللحوم إلى واحد من الملفات التي أثارت جدلًا سياسيًا وبرلمانيًا واسعًا.
وأصبح من المشروع طرح أسئلة حول كيفية تدبير هذا الدعم، وتحديد المستفيدين منه، ومدى تحقيق البرامج المعلنة للأهداف التي خُصصت من أجلها الأموال العمومية.
وهنا يجب أن يكون النقاش مسؤولًا.
لا يجوز إصدار أحكام مسبقة أو توجيه اتهامات دون أدلة، لكن في المقابل لا يمكن أن تتحول القضايا المرتبطة بالمال العام إلى مجرد مادة للتجاذب السياسي.
من حق المواطن أن يعرف كيف صُرفت الأموال العمومية، ومن استفاد منها، وما النتائج التي تحققت.
ومن حقه أيضًا أن يسأل لماذا استمرت معاناته من ارتفاع الأسعار، بينما خُصصت برامج دعم يفترض أن تساهم في معالجة الاختلالات وحماية السوق والمستهلك.
فالشفافية ليست اتهامًا، والمطالبة بالحقيقة ليست تشهيرًا.
من التراشق السياسي إلى الاحتكام للمؤسسات
المشكلة ليست في اختلاف الأحزاب، فالاختلاف جزء طبيعي من الحياة الديمقراطية.
المشكلة تبدأ عندما تتحول الملفات التي تهم المواطنين إلى مجرد سجال إعلامي: تصريح يقابله تصريح، واتهام يرد عليه باتهام، ثم تنتهي القضية دون أن يعرف المواطن ماذا حدث فعليًا.
إذا كانت هناك معطيات جدية حول اختلالات محتملة في تدبير المال العام أو مسؤوليات تستوجب التحقيق، فإن الطريق الطبيعي هو المؤسسات المختصة.
التحقيق يجب أن يتم وفق القانون، والمسؤوليات ينبغي أن تحدد بناءً على الوثائق والأبحاث والافتحاصات والنتائج التي تصل إليها الجهات المختصة.
أما الاتهامات السياسية وحدها فلا يمكن أن تكون بديلًا عن الحقيقة.
البرلمان مطالب بالنتائج
قبة البرلمان ليست مسرحًا للفرجة ولا ساحة لتبادل المواقف من أجل تسجيل النقاط السياسية.
إنها مؤسسة دستورية يفترض أن تكون الرقابة فيها وسيلة للدفاع عن مصالح المواطنين، ومتابعة السياسات العمومية، وطرح الأسئلة التي تقود إلى نتائج واضحة.
وعندما يثار ملف مثل دعم المواشي، فإن المواطن لا ينتظر فقط تصريحات النواب أو صراع الأغلبية والمعارضة.
إنه يريد أن يعرف:
ما الذي تم التحقق منه؟
ما هي النتائج؟
وهل تم تحديد المسؤوليات؟
فالرقابة التي لا تنتهي إلى توضيح الحقائق تظل ناقصة، مهما كانت قوة النقاش الذي رافقها.
انتخابات 2026: ماذا نريد من السياسي؟
مع اقتراب انتخابات 2026، لم يعد المواطن بحاجة إلى خطاب انتخابي جديد بقدر حاجته إلى التزامات واضحة.
من يطلب ثقة المواطن عليه أن يقدم برنامجًا قابلًا للتنفيذ، بأهداف محددة وآجال واضحة ومسؤوليات معلنة.
ليس المطلوب أن يعد السياسي بحل كل مشاكل البلاد، فهذا غير واقعي، وإنما أن يكون صريحًا بشأن ما يستطيع إنجازه، وكيف سيقوم بذلك، وما الإمكانيات التي يحتاجها.
وبعد انتهاء الولاية، يجب أن يكون المواطن قادرًا على العودة إلى تلك الالتزامات ومقارنتها بما تحقق على أرض الواقع.
عندها تصبح الانتخابات فعلًا وسيلة للمحاسبة الديمقراطية، وليس مجرد مناسبة لتغيير الشعارات.
المغرب يحتاج إلى سياسة الإنجاز
المغاربة لا يحتاجون إلى سياسيين يتقنون الصراخ في المنصات أكثر مما يتقنون حل المشاكل.
إنهم يحتاجون إلى سياسة تنزل إلى الميدان، وتستمع إلى المواطن في الحي والقرية والسوق والمستشفى والمدرسة.
سياسة تجعل التشغيل أولوية حقيقية، وتدعم المبادرات والمقاولات والتعاونيات، وتربط التكوين بحاجات سوق الشغل، وتحسن الخدمات الصحية والتعليمية، وتحمي القدرة الشرائية، وتحقق عدالة أكبر في توزيع فرص التنمية بين الجهات.
كما يحتاج المواطن إلى تدبير مسؤول للمال العام، وإلى مؤسسات قوية، وإلى مسؤولين يعرفون أن السلطة ليست امتيازًا، وإنما أمانة ومسؤولية.
لا نريد وعودًا بلا حساب
لقد تعب المواطن من الوعود التي تتكرر مع كل استحقاق انتخابي، ومن الخطابات التي ترسم مستقبلًا جميلًا دون أن توضح كيف سيتم الوصول إليه.
اليوم، أصبح المطلوب واضحًا:
برنامج واقعي.
أهداف قابلة للقياس.
آجال محددة.
مسؤوليات واضحة.
وحصيلة يمكن تقييمها.
حتى يستطيع المواطن بعد سنوات أن يسأل بكل بساطة:
وعدتم بكذا… ماذا أنجزتم؟
هذه هي السياسة التي يمكن أن تعيد بناء الثقة: سياسة تقوم على الإنجاز لا على الخطابة، وعلى الحقيقة لا على التضليل، وعلى احترام المواطن لا على استغلال معاناته انتخابيًا.
كلمة أخيرة
المغرب أكبر من أن تختزل سياسته في التراشق والاتهامات، والمواطن المغربي يستحق أكثر من خطابات انتخابية موسمية.
إن المرحلة تقتضي أن يتحمل كل مسؤول سياسي مسؤوليته، وأن يقدم حصيلته أمام المواطنين، وأن تفتح المؤسسات المختصة أبوابها لكل ملف تتوفر بشأنه معطيات تستوجب الفحص أو الافتحاص، وفق القانون والاختصاصات والمساطر المعمول بها.
فإذا كانت هناك اختلالات، يجب أن تظهر الحقيقة.
وإذا كانت هناك مسؤوليات، يجب أن تحدد.
وإذا كانت هناك أموال عمومية لم تحقق أهدافها، فمن حق الشعب أن يعرف لماذا.
المغاربة لا يريدون المزيد من الكلام.
يريدون الحقيقة.
يريدون الكرامة.
يريدون العيش الكريم.
ويريدون أن تكون المسؤولية مرتبطة فعلًا بالمحاسبة.
فهل تكون انتخابات 2026 فرصة حقيقية لمحاسبة الأداء السياسي، أم مجرد موسم جديد للوعود والتصفيق وتبادل الاتهامات؟
هذا السؤال لم يعد سياسيًا فقط… بل أصبح سؤال المواطن المغربي.
حسن العسري




إرسال تعليق