كان المسرح البلدي بالدار البيضاء أكثر من مجرد بناية مخصصة للفرجة؛ كان ذاكرة مدينة، ومنارة ثقافية وفنية، وفضاءً التقت فيه أجيال من الفنانين والمثقفين والطلبة والجمهور. بناية صنعت جزءاً من تاريخ الدار البيضاء الثقافي، قبل أن تختفي في سنة 1984، تاركة وراءها أسئلة كثيرة وحنيناً لا يزال يسكن ذاكرة من عاشوا زمنها
اعداد مصطفى جناح
شُيد المسرح وافتتح سنة 1920 خلال فترة الحماية الفرنسية، وكان في بداياته جزءاً من سياسة نشر الثقافة الفرنسية، غير أن المفارقة التاريخية أن هذا الفضاء نفسه تحول، مع مرور السنوات، إلى نافذة أطل منها المغاربة على تجارب فنية وثقافية عربية وعالمية، وأصبح أحد أهم أماكن الفرجة والتلاقح الثقافي في المدينة.
كانت هندسته وتجهيزاته، بحسب شهادات من عاصروا المكان، تمنحه مكانة خاصة بين فضاءات العرض آنذاك، الأمر الذي جعله يستقطب أسماء كبيرة من المسرح والغناء، مغربية وعربية ودولية.
من فاطمة رشدي وأم كلثوم إلى جاك بريل
احتضن المسرح البلدي في يونيو 1932 عروضاً للفنانة المصرية فاطمة رشدي، التي قدمت ثلاث مسرحيات أمام جمهور كبير. كما ارتبط اسم المسرح بمرور أسماء بارزة من عالم الفن العربي والدولي، من بينها أم كلثوم ويوسف وهبي، والمغنية العالمية جوزفين بايكر، إضافة إلى الشاعر والمغني البلجيكي جاك بريل سنة 1962.
ومع توالي العقود، أصبح المسرح فضاءً مفتوحاً أمام التجارب المغربية أيضاً، فاعتلى خشبته فنانون ومبدعون من طينة الطيب الصديقي، محمد مفتاح، ثريا جبران، إلى جانب مجموعات موسيقية وفنية طبعت الذاكرة المغربية، مثل ناس الغيوان، جيل جيلالة ولمشاهب وتكادة.
لقد كانت الخشبة تجمع بين المسرح والموسيقى والشعر، وتحول المكان إلى نقطة التقاء بين الفن والجمهور، وبين الإبداع والأسئلة التي كانت تشغل المجتمع.
السبعينيات.. حين أصبحت الخشبة فضاءً للنقاش
بلغ المسرح البلدي أوج حضوره خلال سبعينيات القرن الماضي، وهي مرحلة كانت تعرف حركية ثقافية وفنية قوية، خصوصاً في أوساط الطلبة والشباب.
وكانت عروض مسرحية طلابية تقدم أمام الجمهور، وتحمل في كثير من الأحيان مضامين اجتماعية وسياسية جريئة. كما نشطت جمعيات مسرح الهواة، من بينها جمعيات مثل «الباسم»، و«المصباح الأحمر»، و«السلام البرنوصي»، و«الحلقة» و«الرواد»، إلى جانب أسماء كثيرة ارتبطت بتلك التجربة.
في تلك المرحلة لم يكن المسرح مجرد مكان للضحك والترفيه، بل كان فضاءً للتفكير والتوعية والتعبير، ووسيلة للتواصل مع الشباب والطلبة، وهو ما جعل الحركة المسرحية والهواية الفنية جزءاً من المشهد الثقافي والسياسي للمدينة.
وكان الجمهور بدوره جزءاً من الحكاية. فالعروض كانت تستقطب أعداداً كبيرة، وبعض الفرق كانت تضطر إلى تقديم عروض خاصة بالطلبة خلال فترة ما بعد الظهر، ثم عروض مسائية للعموم، بسبب حجم الإقبال.
شهادات تختصر ذاكرة جيل
ومن بين أكثر الشهادات التي تكشف مكانة المسرح البلدي في وجدان البيضاويين، شهادة أحد أبناء المدينة الذي يتذكر أنه شاهد سنة 1974 مسرحية «في انتظار القطار» لفرقة البدوي، ويقول إن دخوله المسرح البلدي يومها كان أول احتكاك له بهذا الفضاء، قبل أن يتحول المكان بالنسبة إليه إلى جزء من ذاكرة الطفولة والشباب.
ويستعيد آخر ذكرياته مع عروض الراحلين بلقاس وعبد الجبار الوزير رفقة الفرقة المراكشية للمسرح، مؤكداً أن تلك العروض ظلت محفورة في ذاكرته، خصوصاً أنها كانت قبل هدم المسرح بوقت قصير.
أما أحد أبناء الجيل الذي عاش المرحلة، فيقول: «كنت من الجيل الذي تابع مسرحيات وسهرات غنائية داخل هذه المعلمة التاريخية، وكان قرار هدمها خاطئاً.»
ويحكي آخر عن أمسيات فنية احتضنها المسرح، وعن حفلات بمناسبة عيد العرش شارك فيها فنانون ومجموعات مثل عبد الهادي، فاطنة بنت الحسين، أولاد بنعقيدة، جيل جلالة والمشاهب.
وتتكرر في شهادات أخرى عبارة واحدة تقريباً: «كان المسرح البلدي معلمة ثقافية وتاريخية، ولم يكن ينبغي أن يختفي.»
ذكرى محمود درويش.. حين امتلأ المسرح وما حوله
ومن أكثر الذكريات إثارة للجدل تلك المرتبطة باللقاء الذي كان منتظراً مع الشاعر الفلسطيني محمود درويش، والذي لم يحضر في النهاية، إلى جانب الشاعر الفلسطيني أحمد الدحبور.
وتروي شهادات متداولة من أبناء تلك المرحلة أن أعداداً كبيرة من الجماهير حجت إلى المسرح، حتى امتلأت القاعة ووجد آخرون أنفسهم خارجها، فيما استمع الجمهور إلى ما كان يبث عبر مكبرات الصوت.
وتشير بعض الروايات إلى أن العدد كان ضخماً جداً، وأن السلطات تدخلت لتفريق المتجمهرين خارج المسرح.
لكن هذه الواقعة، وغيرها من الأحداث المرتبطة بالحركة الثقافية والسياسية خلال تلك المرحلة، أصبحت جزءاً من ذاكرة شفوية تحتاج إلى التوثيق والتحقق التاريخي الدقيق، بعيداً عن تضارب الروايات التي رافقت نهاية المسرح.
هل كان الهدم قراراً سياسياً؟
يبقى السؤال الأكثر حساسية: لماذا هُدم المسرح البلدي؟
فبعد سنوات من الإشعاع، اختفت البناية سنة 1984، دون أن يرافق هدمها، بحسب عدد من الشهادات، توفير بديل قادر على حمل المكانة الثقافية والفنية التي كان يتمتع بها المسرح البلدي.
وقد ذهب بعض من عاصروا تلك المرحلة إلى اعتبار قرار الهدم ذا خلفية سياسية، وربطوه بالدور الذي لعبه مسرح الهواة في التأطير الثقافي والسياسي للشباب.
كما تُتداول شهادة منسوبة إلى الفنان الراحل الطيب الصديقي، تحدث فيها عن مسؤولية وزير الداخلية آنذاك إدريس البصري عن قرار الهدم. غير أن مثل هذه المعطيات تظل بحاجة إلى توثيق بمصادر أولية أو أرشيفية واضحة، حتى لا تتحول الذاكرة الشفوية إلى رواية تاريخية غير موثقة.
المؤكد أن الهدم وقع، وأن المدينة فقدت بناية كانت تختزن جزءاً مهماً من ذاكرتها الثقافية، وأن موقعها لم يتحول إلى فضاء ثقافي مماثل يحمل نفس الرمزية.
«كان أجمل معالم الدار البيضاء»
في شهادات البيضاويين، تتكرر عبارات الحنين بشكل لافت.
أحدهم يقول: «الله ياخذ فيهم الحق، كان من أجمل معالم الدار البيضاء. شحال فرحنا داخل مقصوراته الرائعة.»
ويقول آخر: «معلمة تاريخية وثقافية هُدمت ولم تعوض بأي شيء يرمز إلى الثقافة أو الفن، وأصبح مكانها مجرد حديقة.»
بينما يختصر أحد أبناء المدينة موقفه قائلاً: «غلطة كبيرة، لأن المسرح البلدي كان ذاكرة من ذكريات الدار البيضاء.»
وهناك من يتذكر «صبحيات عمي دريس»، وآخرون يستحضرون حفلات ناس الغيوان ولمشاهب وجيل جلالة، وعروض البدوي وثريا جبران، وندوات وسهرات كانت تجعل المكان ينبض بالحياة.
آخر الستار
وتتحدث إحدى الشهادات عن عمل مسرحي بعنوان «الحصار» قدمته فرقة «العروبة المسرحية» سنة 1983، أي قبل هدم المسرح بعام تقريباً، فيما تتداول شهادات أخرى أسماء فنانين كانت لهم حفلات أو عروض في الفترة الأخيرة من عمر هذه المعلمة.
وتبقى بعض التفاصيل، مثل تحديد «آخر سهرة» أو «آخر فنان اعتلى الخشبة»، بحاجة إلى بحث أرشيفي دقيق، لأن الذاكرة الجماعية تقدم روايات متعددة في هذا الشأن.
لكن الأهم ليس من كان آخر من أطفأ أضواء المسرح، وإنما ما الذي خسرته الدار البيضاء بإطفائها.
من المسرح البلدي إلى المسرح الكبير
بعد عقود من هدم المسرح البلدي، لا تزال الدار البيضاء تبحث عن فضاءات ثقافية قادرة على استعادة ذلك الزخم القديم.
صحيح أن المدينة شهدت إنشاء مراكز ثقافية ومسارح في عدد من الأحياء، غير أن كثيراً من أبناء الجيل السابق يؤكدون أن المسرح البلدي كان يتمتع بخصوصية لا تختصرها هندسته أو موقعه فقط، بل صنعتها العلاقة الاستثنائية بين الخشبة والجمهور.
واليوم، تتجه الأنظار إلى المسرح الكبير بالدار البيضاء، باعتباره مشروعاً ثقافياً قادراً على منح المدينة فضاءً يليق بحجمها ومكانتها.
ويبقى الأمل قائماً في أن لا يكون المسرح الجديد مجرد بناية ضخمة، وإنما مؤسسة حية تستعيد للمدينة روحها الثقافية، وتمنح المسرحيين والموسيقيين والشعراء والفنانين فضاءً دائماً للإبداع، وتعيد الجمهور إلى مقاعد الفرجة.
فهل يستطيع المسرح الكبير أن يعيد شيئاً من أمجاد المسرح البلدي؟
ربما لن تعود البناية التي هُدمت، ولن تستعاد مقصوراتها ولا خشبتها ولا أصوات جمهورها، لكن يمكن أن تعود الروح التي صنعت ذلك الزمن.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي تختزله كل هذه الشهادات:
ما هي ذكرياتك مع المسرح البلدي بالدار البيضاء؟ وأول مسرحية أو سهرة شاهدتها هناك؟ ومن هو الفنان الذي لا تزال تتذكره واقفاً فوق تلك الخشبة؟
#المسرح_البلدي #الدار_البيضاء #ذاكرة_المدينة #الفن_المغربي #المسرح_المغربي





إرسال تعليق