اعداد مصطفى جناح
يُعدّ عبد الحي الصقلي واحدًا من الأسماء البارزة التي ساهمت في تأسيس الأغنية المغربية العصرية خلال فترة الستينيات، حيث بصم على مسار فني غني بالتجارب والأعمال الخالدة التي ما تزال حاضرة في وجدان عشاق الطرب الأصيل.
ورغم تعاونه مع كبار الملحنين وإسهاماته الواضحة في تطوير الأغنية المغربية، فإن اسمه ظل بعيدًا عن دائرة الضوء، ما يطرح أكثر من تساؤل حول مدى إنصاف الذاكرة الفنية الوطنية لروادها الحقيقيين.
فبين الإبداع والتهميش، تظل تجربة الصقلي نموذجًا لفنان أعطى الكثير، لكنه لم ينل ما يستحقه من اعتراف وتكريم.
🟣 رحيل أحد أعمدة الطرب المغربي.. الفنان الرائد عبد الحي الصقلي في ذمة الله
فقدت الساحة الفنية المغربية واحدًا من أبرز أعمدتها، برحيل الفنان الرائد عبد الحي الصقلي، الذي وافته المنية يوم الأحد 9 أبريل 2023، عن عمر ناهز 86 سنة، إثر وعكة صحية ألمت به، بعد مسار فني طويل أغنى من خلاله خزينة الأغنية المغربية بأعمال خالدة لا تزال راسخة في ذاكرة الأجيال.
ويُعد الراحل، المزداد بمدينة صفرو سنة 1940، من رواد الأغنية المغربية خلال فترة الستينيات، ومن الأسماء المؤسسة للموسيقى المغربية العصرية، حيث تميز بصوت رخيم وأداء طربي أصيل جعله يحظى بمكانة خاصة داخل المشهد الفني الوطني. وقد بدأ مسيرته الفنية من بوابة الإذاعة الوطنية، قبل أن يسطع نجمه ضمن جيل الرواد الذين ساهموا في تشكيل الهوية الموسيقية المغربية.
🔵 مسار فني غني وتعاون مع كبار الملحنين
خلال مسيرته، تعامل الراحل مع نخبة من كبار الملحنين المغاربة، من بينهم عبد السلام عامر وعبد الرحيم السقاط والعابد الزويتن، الذين أهدوه مجموعة من الألحان التي تحولت إلى درر فنية خالدة، لا تزال تتردد إلى اليوم في وجدان عشاق الطرب المغربي الأصيل.
كما بصم على رصيد فني مميز، ضم مجموعة من الأغاني التي شكلت جزءًا من “ريبرتوار” الأغنية المغربية، من قبيل: “قولولو علاش عداني”، “ما بان خيال حبيبي”، “محلى إفران وما أحلى جمالو”، “مساك مساك”، إلى جانب أعمال أخرى مثل “يا خطاطين الرمال” و“قلبي الجريح” و“أيها الغائب”، وغيرها من القطع التي تعكس غنى تجربته الفنية وتنوعها.
🟢 محطة القاهرة وتألق عربي
وشكلت تجربة سفره إلى مصر سنة 1965، رفقة عدد من الفنانين المغاربة، من بينهم عبد الهادي بلخياط، محطة مهمة في مساره الفني، حيث احتك بكبار نجوم الطرب العربي، على غرار محمد عبد الوهاب وأم كلثوم وعبد الحليم حافظ، ما ساهم في صقل تجربته وتوسيع آفاقه الفنية، قبل أن تتوقف هذه التجربة بسبب تداعيات حرب 1967.
🟠 بداية التألق وأعمال خالدة
وتُعتبر أغنية “يا نجمة سطعت في الظلام” التي كتبها الشاعر نسيب عريضة، من أبرز المحطات التي مهدت لانطلاقته الفنية القوية، حيث شكلت بوابة عبوره نحو الشهرة، إلى جانب أعمال أخرى بصم بها مسارًا فنياً امتد لعقود.
🟡 عزلة اختيارية ونهاية هادئة
ورغم مساره الفني الزاخر، اختار الراحل في سنواته الأخيرة الابتعاد عن الأضواء، مفضلًا حياة الهدوء والسكينة بمدينة فاس، حيث ووري جثمانه الثرى، بعيدًا عن صخب الساحة الفنية التي صنع فيها مجده.
🔵 إرث فني يحتاج إلى التوثيق
ورغم القيمة الفنية الكبيرة التي يمثلها عبد الحي الصقلي، إلا أنه، شأنه شأن عدد من رواد الأغنية المغربية، لم يحظَ بما يستحقه من تكريم أو توثيق، ما يطرح ضرورة ملحة لإعادة الاعتبار لهذا الجيل، عبر جمع أعماله وتوثيقها بشكل علمي يحفظ الذاكرة الفنية الوطنية من الضياع.
إن رحيل هذا الفنان الكبير لا يمثل فقط فقدان صوت طربي مميز، بل خسارة لجزء من تاريخ الموسيقى المغربية، الذي يتعين على الأجيال الحالية الحفاظ عليه وإحياؤه، حتى يظل حاضرًا في الوجدان الثقافي المغربي.
المصدر : https://www.microtv.ma/?p=58472













