اعداد مصطفى جناح
يُعد عبد الواحد التطواني أحد أعمدة الأغنية المغربية العصرية، حيث راكم مسيرة فنية حافلة امتدت لعقود، جمع خلالها بين الغناء والتلحين والزجل والتمثيل، ما جعله يحظى بمكانة متميزة في الذاكرة الفنية الوطنية، ويُلقب عن جدارة بـ”كنار المغرب” و”مطرب الملوك”.
📌 مسار فني بدأ من الكتّاب وتكوّن في المعاهد
وُلد الفنان عبد الواحد التطواني، واسمه الحقيقي عبد الواحد كريكش، يوم 12 مارس 1944 بمدينة تطوان، حيث نشأ في بيئة محافظة، وبدأ تعليمه الأولي في الكتّاب القرآني، قبل أن ينتقل بين عدة مؤسسات تعليمية، من بينها مدارس حرة وأخرى عصرية.
وقد تلقى تكوينه الموسيقي على يد مجموعة من الأساتذة البارزين داخل المعهد الموسيقي بتطوان، ما أتاح له صقل موهبته مبكرًا، ليصبح مؤهلاً للتعامل مع كبار الملحنين والشعراء الذين بصموا تاريخ الأغنية المغربية.
📌 أعماله الفنية.. رصيد غني بين المسرح والغناء
بصم الفنان عبد الواحد التطواني على مسار فني غني ومتنوع، جمع فيه بين الغناء والتلحين والمسرح، حيث شارك في عدد من الأعمال التي شكلت محطات بارزة في تاريخ الفن المغربي.
ومن أبرز أعماله المسرحية، مشاركته سنة 1967 في الأوبريت الشهيرة “بناة الوطن”، التي تُعد أول عمل أوبرالي مغربي بعد الاستقلال، إلى جانب نخبة من رواد المسرح، من بينهم أحمد الطيب العلج ومحمد حسن الجندي، وهي تجربة فتحت أمامه آفاقًا واسعة في مجال المسرح الغنائي.
كما واصل حضوره فوق الخشبة من خلال أعمال وطنية أخرى، من بينها مسرحية “شجرة الأوفياء” سنة 1997، و**“الأبطال”** سنة 1998، إلى جانب المسرحية الغنائية “هبل تربح” التي قدمها مع فرقة مسرح النخيل بمراكش، وهي أعمال عكست التزامه بالقضايا الوطنية والاجتماعية.
وفي المجال الغنائي، راكم الفنان رصيدًا مهمًا من الأغاني، سواء من خلال أدائه الشخصي أو عبر ألحانه التي منحها لعدد من نجوم الأغنية المغربية، حيث تعامل مع أسماء بارزة مثل حياة الإدريسي والبشير عبدو ورشيدة طلال، ما جعله أحد الفنانين الذين ساهموا في إغناء الخزانة الفنية المغربية.
ويُحسب له أيضًا أنه كان من أوائل الفنانين الذين مزجوا بين الأداء الطربي الأصيل والبعد المسرحي، ما منح أعماله طابعًا فنيًا متفردًا ظل حاضرًا في ذاكرة الجمهور المغربي.
📌 تعامل مع كبار المبدعين في الأغنية المغربية
خلال مسيرته، اشتغل التطواني إلى جانب أسماء وازنة في مجال التلحين، من قبيل عبد القادر الراشدي ومحمد بن عبد السلام والعربي الكوكبي، كما تعامل مع شعراء كبار مثل أحمد الطيب العلج وفتح الله المغاري وعلي الحداني.
كما لحّن وغنى أعمالًا لفائدة نخبة من الفنانين المغاربة، من بينهم حياة الإدريسي والبشير عبدو ورشيدة طلال، ما يعكس حضوره القوي في الساحة الفنية كفنان شامل.
📌 لحظات تاريخية.. من التلفزيون إلى القصر الملكي
دخل عبد الواحد التطواني تاريخ الفن المغربي من بابه الواسع، عندما افتتح البث التلفزي في الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة سنة 1962، بأغنية “علاش يا غزالي” إلى جانب الحاجة الحمداوية.
كما التحق سنة 1968 بـ الجوق الملكي بأمر من الملك الراحل الحسن الثاني، حيث شارك في العديد من المناسبات الرسمية، وكان شاهدًا على أحداث مفصلية من تاريخ المغرب، من بينها محاولة انقلاب الصخيرات سنة 1971.
📌 صدمة الصخيرات.. جرح إنساني عميق
لم تمر تجربة انقلاب الصخيرات مرور الكرام في حياة الفنان، إذ خلّفت لديه صدمة نفسية حادة نتيجة مشاهد العنف والقتل التي عايشها عن قرب خلال انقلاب الصخيرات 1971.
وقد عانى التطواني لفترة طويلة من آثار نفسية قاسية، تمثلت في الكوابيس وفقدان الشهية والعزلة، قبل أن يتلقى علاجًا نفسيًا ساعده على تجاوز تلك المرحلة الصعبة والعودة إلى نشاطه الفني.
📌 ريادة في الأوبريت والمسرح الغنائي
يُعتبر عبد الواحد التطواني من أوائل الفنانين الذين ساهموا في الأوبريت المغربي، حيث شارك سنة 1967 في عمل “بناة الوطن”، الذي يُعد أول أوبريت مغربي بعد الاستقلال، إلى جانب نخبة من الفنانين.
كما شارك في أعمال مسرحية غنائية وطنية أخرى، مثل “شجرة الأوفياء” و”الأبطال”، ما يعكس تنوع تجربته الفنية وغناها.
📌 “مسيرة الوفاء”.. عمل وطني يجدد الارتباط بالقضية الوطنية
في سياق عطائه المتواصل، أصدر الفنان عبد الواحد التطواني عملًا غنائيًا وطنيًا جديدًا بعنوان “مسيرة الوفاء”، وهو عمل فني يستحضر ذكرى المسيرة الخضراء، ويجسد قيم الوحدة الوطنية والتلاحم بين العرش والشعب.
الأغنية تحمل رسائل قوية تدعو إلى التعبئة المستمرة للدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة، وتستحضر الروح الوطنية التي أطلقها الملك الراحل الحسن الثاني في هذا الحدث التاريخي.
📌 حضور وطني في زمن الجائحة
خلال جائحة كوفيد-19، عبّر الفنان عبد الواحد التطواني عن مواقف وطنية واضحة، حيث ندد ببعض الممارسات السلبية على مواقع التواصل الاجتماعي، ودعا إلى تعزيز دور الفنان والمثقف في خدمة صورة المغرب والدفاع عن قيمه.
كما شدد على ضرورة تضافر الجهود الوطنية لمواجهة الأزمات، داعيًا إلى الالتفاف حول الوطن ومؤسساته في ظل الظروف الصعبة.
📌 أوسمة ومسؤوليات ثقافية
حاز الفنان على عدة أوسمة، من بينها وسام الاستحقاق الوطني، كما تولى مهام ثقافية مهمة، أبرزها رئاسة الجمعية المغربية لدعم العمل الثقافي والاجتماعي، وعضويته في هيئات حقوق المؤلفين داخل المغرب وخارجه.
يبقى عبد الواحد التطواني نموذجًا للفنان العصامي الذي جمع بين الموهبة والالتزام الوطني، حيث لم تكن مسيرته مجرد رحلة فنية، بل تجربة إنسانية غنية، تعكس تداخل الفن مع قضايا الوطن والتاريخ.
وبين إبداع الأمس ورسائل اليوم، يواصل “مطرب الملوك” ترسيخ حضوره كأحد رموز الأغنية المغربية الأصيلة، التي ما تزال تنبض بروح الوفاء والانتماء.
المصدر : https://www.microtv.ma/?p=58457














