في مدينة تتسارع فيها وتيرة التمدن، وتتشكل ملامحها العمرانية على إيقاع التحولات الحديثة، يبدو استمرار تعطيل استغلال السوق الأسبوعي ببرشيد مفارقة صارخة لا تقبل مزيدا من التأجيل أو التبرير. فكيف يعقل أن تظل فضاءات حيوية بهذا الحجم رهينة الجمود، في وقت تختنق فيه شوارع المدينة بفوضى الباعة الجائلين، وتتحول نقاط سوداء إلى مشاهد يومية تنال من كرامة الفضاء الحضري وهيبته؟
إن واقع الحال لم يعد يحتمل أنصاف الحلول. فالمجلس الجماعي لبرشيد، ومعه السلطات الإقليمية والمحلية، أمام مسؤولية تاريخية لفرض القطيعة مع مظاهر التسيب، ووضع حد لحالة الانفلات التي أضحت عنوانا بارزا في المشهد اليومي. عربات مجرورة بالدواب تجوب الشوارع دون رقيب، واحتلال عشوائي للملك العمومي، ومظاهر غير حضارية تسيء إلى صورة المدينة وتعرض سلامة المواطنين للخطر، كلها مؤشرات على اختلال بنيوي يتطلب تدخلا حازما لا يقبل التأجيل.
الأخطر من ذلك، ما يشهده السوق الأسبوعي كل يوم اثنين من مظاهر الانحراف، حيث تتحول بعض جنباته إلى فضاءات للفوضى، تنتشر فيها الأسلحة البيضاء والمخدرات، في مشهد يختزل هشاشة التنظيم وغياب المراقبة. أما في فصل الشتاء، فالوضع لا يقل قتامة، إذ تتحول الأزقة إلى برك من الوحل، في صورة بعيدة كل البعد عن أبسط شروط الكرامة الحضرية.
أمام هذا الواقع، يبرز خيار إحداث سوق يومي نموذجي كحل استراتيجي لا بديل عنه، مشروع قادر على إعادة الاعتبار للفضاء العام، واحتواء الباعة الجائلين ضمن إطار منظم يضمن كرامتهم وحقوقهم. إنه ليس مجرد مرفق تجاري، بل رافعة تنموية حقيقية، تفتح آفاقا لاقتصاد محلي منظم، وتوفر موارد مالية قارة تعزز ميزانية الجماعة، وتدعم جودة الخدمات المقدمة للساكنة.
إن مختلف فعاليات المجتمع المدني اليوم تجمع على ضرورة إخراج هذا المشروع إلى حيز الوجود، وتدعو عامل إقليم برشيد، السيد جمال خلوق، إلى الإشراف المباشر على تنزيله، باعتباره ورشا تنمويا بامتياز. كما يظل من الضروري إدراج هذا الملف ضمن أولويات دورات المجلس الجماعي، أو إسناد مهمة بلورة تصور متكامل إلى مكتب دراسات مختص، بما يضمن رؤية واضحة المعالم، تزاوج بين النجاعة الاقتصادية، والبعد الاجتماعي، والرقي الحضاري.
فبرشيد اليوم أمام مفترق طرق: إما الاستمرار في دوامة الفوضى، أو الانخراط الجاد في مسار التنظيم والتحديث. والرهان لم يعد فقط على تدبير سوق، بل على كسب معركة صورة مدينة، واستعادة ثقة مواطنيها في مؤسساتها.
المصدر : https://www.microtv.ma/?p=58432













