شكل عبد القادر البدوي (1934–2022) علامة فارقة في تاريخ المسرح المغربي، إذ جسّد من خلال أعماله الخمسين عامًا من التجربة الفنية صوت الطبقة العاملة وقضايا المجتمع المغربي. استطاع من خلال فرقة «مسرح البدوي» أن يقدّم مسرحًا اجتماعيًا ووطنيًا، تجاوزت شهرته حدود المغرب ودخلت مناهج التعليم الأكاديمي في جامعات عربية ودولية.
اعداد مصطفى جناح
النشأة والبدايات

ولد عبد القادر في حي المصلى بمدينة طنجة ضمن أسرة بسيطة، وهاجرت العائلة لاحقًا إلى حي الأحباس بالدار البيضاء. اضطر لمغادرة الدراسة في سن الخامسة عشرة بعد توقف والده عن العمل، لينخرط في مصنع التبغ بدرب مارتيني، حيث كان يعيش تجربة العمال اليومية، التي شكلت فيما بعد مصدر إلهام لأعماله المسرحية.

خلال هذه الفترة، انضم إلى فرق محلية مثل «ريجي طابا» و«الراك»، قبل أن يتجه نحو المسرح ويبدأ رحلة طويلة من الإبداع المسرحي والاجتماعي.
مسرح العمالي وتجديد الفن المغربي
أسس البدوي مع شقيقه عبد الرزاق فرقة «مسرح البدوي» (1965–1995)، والتي أصبحت من أهم الفرق المسرحية المغربية. وقدمت الفرقة أعمالًا تعكس هموم المجتمع وحقوق الطبقة الشعبية، منها:
يد الشر: مسرحية محورية تصور تحول عامل إلى وزير منقلب على رفاقه، لتسليط الضوء على الانتهازية والطموح الفردي.

الهاربون
غيثة
العاطلون
العامل المطرود
تضحية وألم
شجرة العائلة
راس الدرب
دار الكرم
المعلم زغلول
وعلى صعيد التلفزيون، قدّمت الفرقة أعمالًا مثل نماذج بشرية ونافذة على المجتمع، مؤكدين حضور المسرح الاجتماعي على الشاشة الصغيرة.

بعد خلاف مع شقيقه، أسس الأخير فرقة جديدة باسم «مسرح البدوي الاستمرار 65» سنة 1997، بينما استمر عبد القادر في قيادة فرقة العهد الجديد، وواصل تنظيم مهرجان مسرحي سنوي في إفران، مكرّسًا حضور المسرح المغربي على الصعيد الوطني والدولي.
الدعم والتكريم الرسمي
تلقى البدوي دعمًا من شخصيات بارزة، من بينها عبد السلام ياسين، مندوب التربية الوطنية بالدار البيضاء، الذي ساعد الفرقة على تقديم عروض للطلاب داخل المؤسسات التعليمية. كما استقبل الملك الحسن الثاني الفنانين في 28 مارس 1991، ضمن استراتيجية لتطوير المسرح المغربي، وأثمر ذلك عن المناظرة الأولى للمسرح الاحترافي وتكريس يوم 14 مايو كيوم وطني للمسرح.
الانتقاد والتحديات

في 14 مايو 2015، وجه عبد القادر نقدًا حادًا لما أسماه «اللوبي الثقافي الفرنكفوني في المغرب»، معبرًا عن أسفه لعدم تطوير مسرح مغربي يعكس الهوية الثقافية واللغوية للمغرب، مؤكدًا التحديات الكبيرة التي واجهت مشروعه الفني على مدار عقود.
الحياة الشخصية
تزوج من سعاد هناوي، التي التحقت بالفرقة المسرحية وأبدعت في عدة أعمال قبل أن تتفرغ لشؤون البيت بعد الزواج، لتكون شريكته في الحياة والدعم الفني.
الوفاة والإرث الفني

توفي عبد القادر البدوي يوم الجمعة 28 يناير 2022 عن عمر ناهز 88 عامًا في المستشفى العسكري بالرباط، تاركًا إرثًا مسرحيًا وثقافيًا خالدًا. أعماله ونضاله الفني يبقيانه حاضرًا في ذاكرة المسرح المغربي والعربي، ومثالًا للتجربة الفنية الهادفة والمسؤولة.
المصدر : https://www.microtv.ma/?p=56170














