تشهد المؤسسة القضائية بالمغرب في الآونة الأخيرة دينامية غير مسبوقة، يقودها رئيس النيابة العامة الجديد، هشام بلاوي، في خطوة تهدف إلى القطع مع مرحلة سابقة اتسمت بالتراخي في التعامل مع ملفات الفساد.
منذ تعيينه من طرف الملك محمد السادس، أطلق بلاوي مقاربة جديدة عنوانها ربط المسؤولية بالمحاسبة، حيث بادر إلى تفعيل تعليمات صارمة تقضي بإحالة جميع تقارير المجلس الأعلى للحسابات والمفتشية العامة للإدارة الترابية، التي تتضمن شبهات جنائية، على الفرق المختصة بالشرطة القضائية والدرك الملكي على المستويين الوطني والجهوي.
ووفق معطيات حصلت عليها مصادر مطلعة، فإن عددًا من هذه الملفات الثقيلة كانت مجمّدة منذ سنوات داخل رئاسة النيابة العامة، دون اتخاذ قرارات حاسمة بشأنها، رغم تضمنها مؤشرات واضحة على ارتكاب خروقات مالية وإدارية. وتشير نفس المصادر إلى أن هذه الخطوة تمثل تحولًا جذريًا في دور النيابة العامة، من التغاضي إلى المواجهة الحازمة.
في هذا السياق، اعتبر المحامي والخبير في القانون الدولي، صبري الحو، في تدوينة نشرها على حسابه بفيسبوك، أن إحالة تقارير المجالس الرقابية مباشرة إلى مرحلة البحث التمهيدي، يشكل “ضربة معلم” في مواجهة ما وصفه بـ”هيمنة وزير العدل عبد اللطيف وهبي”، ويكرّس توجهًا جديدًا في السياسة الجنائية المغربية.
وأكد الحو أن بلاوي يعيد الاعتبار لاختصاص النيابة العامة في التصدي للفساد، دون تجاوز الإطار القانوني، بل منسجمًا مع توجهات قانون المسطرة الجنائية الجديد، لا سيما المادتين الثالثة والسابعة. كما أشار إلى أن المادة 111 من المدونة المالية، التي قد تُستخدم ذريعةً لتقييد عمل النيابة العامة، لا تندرج ضمن النظام العام، ما يفتح الباب لتحرك النيابة في احترام للمشروعية الدستورية.
وأبرز الحو البعد السياسي لما يجري، معتبرًا أن هذه الخطوة توجه رسالة قوية إلى بعض الأطراف السياسية التي تسعى لتقويض استقلالية مؤسسات الرقابة والعدالة، وتُشرّع ضد الخيار الديمقراطي في البلاد.
وفي ظل هذا المشهد، تبدو الحملة القضائية الجارية بمثابة لحظة مفصلية في مسار تعزيز الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، خصوصًا مع تسارع التحقيقات وفتح ملفات ظلت طي النسيان لسنوات، وسط مؤشرات على قرب صدور قرارات حاسمة قد تشمل اعتقالات وازنة.
غير أن نجاح هذه الحملة، كما يؤكد الحو، يبقى مرهونًا بسرعة الإجراءات، وصرامة المتابعة، وتوفير الحماية للمبلغين والشهود، مع ضرورة تفادي الوقوع في فخ البيروقراطية والشكليات التي طالما عطّلت جهود الإصلاح.





إرسال تعليق